د. طارق السويدان
د. طارق السويدان
8.2 k

الموقف عند الأزمات

27/7/2017

رأيت في الأزمات التي تعصف بالأمة نماذج رائعة من التمسك بالمبادئ والقيم، ورأيت لدى معظم الشباب التفاؤل وحسن الظن والأدب الراقي ولهم كل الشكر على ذلك. كما رأيت اهتزاز المواقف في الأزمات من بعض العامة والكثير من العلماء والدعاة للأسف، ورأيت كذلك الإحباط واليأس، كما رأيت تجاوز حدود الأدب في التعليقات، ورأيت غير ذلك الكثير. فرأيت ضرورة المساهمة في إبداء الرأي من باب التذكير الذي أمرنا الله ﷻ به. (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

 

وجعلت النصائح على شكل نقاط لتكون أسهل في الفهم والمتابعة:

أولاً: وجوب السعي للوحدة

١- هذه الأمة أمة واحدة، ويجب علينا جميعاً السعي لعدم فرقتها كما أمرنا الله ﷻ، لتتحد الأمة لمواجهة الاحتلال والأعداء المتربصين بها.

 

٢- كل بلادنا غالية علينا ولا نفرط فيها أو في حبها وأمنها، ولا يمكن لمخلص إلا أن يحب كل أمته وعلى رأسها بلاد الحرمين الغالية على كل مسلم، وكذلك فلسطين قلب الأمة وقطر ومصر والإمارات والبحرين وسائر بلاد المسلمين. ووالله الذي لا إله إلا هو حبي لهذه البلاد الغالية صادق ومخلص ولا علاقة للمواقف السياسية به، فكيف لمؤمن أن يكره جزءاً من أمته!

 

٣- يجب ألا تطول أزماتنا ففرقة الأمة لا تصب إلا في مصلحة أعدائها.

 

التزام الأخلاق مع المخالفين هو من شيم ‏الإسلام. وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء. فلنقتدِ به ونحفظ ألسنتنا تجاه جميع الأطراف فما زالت تجمعنا أخوة الدين والإنسانية

٤- فرقة المسلمين سببها الذين يحكمون وهم الذين سيبؤون بإثمها، هم ومن يؤيدهم تأييداً أعمى من العلماء والأعيان والعامة، أما الغالبية العظمى في الشعوب فهي تتمنى الوحدة ولا ترضى بالفرقة التي أضعفت الأمة وجرأت أعداءها عليها.

 

٥- يجب أن نؤيد كل خطوة نحو الوحدة ولو كانت صغيرة، مثل المجالس الإقليمية، والاتفاقات الثنائية في التعليم أو المياه أو غيرها، فالوحدة ليس بالضرورة أن تكون كاملة وشاملة وفورية، وإن كان ذلك حلمنا جميعاً. وأتخيل أن الوحدة ممكن أن تكون كونفدرالية في ٤ أمور فقط وهي الدفاع المشترك (مثل الناتو)، والموقف الخارجي المشترك (مثل البرلمان الأوربي)، والعملة المشتركة (مثل اليورو)، والتنقل الحر (مثل الشنغن)، ثم تترك بقية الأمور للحكم المحلي (فلا يشترط الحاكم الواحد، أو المذهب الواحد وغيرها).

 

٦- أؤمن بعمق بحق الشعوب بتقرير مصيرها، ولا أؤمن بالوحدة بالإجبار حيث ستسبب عدم استقرار يعصف بالأمة. فاتركوا الشعوب تقرر مصيرها واستعملوا الإقناع بالقيم والمبادئ، وتوزيع الثروات بالعدل، والمصالح المشتركة لتوحيد الأمة، وليس الإجبار بالقوة.

 

ثانياً: مبادئ أخلاقية

١- التزام الأخلاق مع المخالفين هو من شيم ‏الإسلام. وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء. فلنقتدِ به ونحفظ ألسنتنا تجاه جميع الأطراف فما زالت تجمعنا أخوة الدين والإنسانية، ووصية خاصة للشباب ألا يستعملوا الكلمات الجارحة التي تؤجج الأزمة، وخاصة عند الحديث عن العلماء الأفاضل، فلنقل خيراً أو لنصمت.

 

٢- وصية خاصة كذلك للقائمين على الإعلام والمشاركين فيه (بما في ذلك وسائل الإعلام الاجتماعي)، بالتزام القيم الأخلاقية وتقوى الله ﷻ في وسائلهم وعدم تأجيج الخلاف بين شعوبٍ محبةٍ لبعضها.

 

٣- لنتذكر أن هذه الأزمات مهما طالت ستنتهي، فلا تجرح أخاك بما لا يحب من القول والتهم حتى لا تتسع الفجوات التي قد تعطل الوحدة أو تعيق الإصلاح.

 

ثالثاً: فلسطين الغالية



١- مهما كان موقفك السياسي من هذه الأزمات فلا بد من الاعتراف أن قضية فلسطين هي قضية الأمة الأولى، وأن الصهاينة هم الخطر الأكبر الذي يهددنا، وكل الأزمات الداخلية والثورات ستنتهي ويبقى هذا الخطر فلا يجوز الغفلة عنه.

 

٢- أي سلام مع الصهاينة أو تنازلات لهم هو خيانة للأمة، ومن برر لنفسه بالعجز أمام الصهيونية ومن يدعمها فنقول له: إن كنت عاجزاً فالأجيال، القادمة لن تعجز، فليس لك الحق بالتنازل عن حقوقنا!

 

٣- إن حصار شعب مسلم سواء في غزة أو قطر لا يجوز ديناً ولا أخلاقاً، بل لا يجوز حصار الطعام عن غير المسلمين! لذلك أدين وبشدة الحصار على أي شعب كريم، وأتمنى أن يتم إلغاؤه فوراً. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة حين أمر ﷺ سيد اليمامة ثمامة بن أثال رضي الله عنه بفك حصار الطعام عن قريش وهم كفار وفِي حالة حرب معلنة مع المسلمين. فكيف بمؤمنين مسلمين ذوي أيادي بيضاء يجمعنا بهم دين وعرق وتاريخ. ولا يجوز الانجرار وراء المواقف السياسية لتبرير الحصار، ومن فعل ذلك فهو شريك في الإثم.

 

رابعاً: الإرهاب والطائفية

١- أرفض وأُدين الإرهاب بكل أشكاله وأتشرف بأني من أكبر المشنعين على العصابة الإرهابية داعش التي ليس فيها إلا البلاء. وأحذر الشباب منهم باستمرار، وأعتبر كل من يؤيدهم مالاً أو سلاحاً شريكاً معهم في جرائمهم المعروفة.

 

تنبيه خاص للحكومات بضرورة التمييز بين الإرهابيين مثل داعش، وبين الذين يتبنون الإسلام الوسطي المعتدل الذي يرفض الإرهاب، فإذا تمت محاربة الوسطيين لن يبقَ للشباب إلا الإرهابيون

٢-  أوصي الشباب بألا تنطلي عليهم ادعاءات الإرهابيين بأنهم هم وحدهم من يدافع عن أهل السنة أمام طائفية الحشد الشعبي، فأكثر من ذاق ويلات داعش هم أهل السنة، واسألوا أهل الموصل الكرام وكل من كان تحت حكم عصابة داعش ليحدثوكم عن البلاء العظيم الذي أصابهم من داعش لثلاث سنين، ومازالوا يتأثرون الى اليوم بما خلفه المجرمون من تدمير لكل مقومات الحياة!

 

٣- أقول أننا يجب أن نتبرأ من داعش وكل إرهابي، كما نتبرأ من الطائفية التي رأيناها عند الحشد الشعبي وغيره. فتبرؤنا من طرف لا يدفعنا تجاه الطرف الآخر، والخطأ لا يعالج بخطأ (وهذه من قواعد الحكمة)!

 

٤- تنبيه خاص للحكومات بضرورة التمييز بين الإرهابيين مثل داعش، وبين الذين يتبنون الإسلام الوسطي المعتدل الذي يرفض الإرهاب، فإذا تمت محاربة الوسطيين لن يبقَ للشباب إلا الإرهابيون.

 

٥- لا يمكن بحال قبول وضع في قائمة الإرهاب أسماء علماء أجلاء كبار مثل د. يوسف القرضاوي الذي هو من أكبر علماء الأمة في القرنين ٢٠ و٢١ وكذلك كثيرين ممن ذكروا معه، والأولى المحافظة على قنوات الحوار المفتوحة ما بين العلماء والحكام مهما اختلفت آراؤهم، فالأمة يقودها الحكام والعلماء فإن تصارعا ضاعت الأمة، ووصية لكل الأطراف وخاصة الشباب بأن يتأدبوا عند الحديث عن العلماء ولو خالفوهم.

 

٦- كذلك لا يمكن بحال قبول وضع في قائمة الإرهاب المقاومة الفلسطينية التي هي شرف الأمة ورأس حربتها، أو الجمعيات الخيرية التي شهدت بفاعليتها وبشفافيتها ونزاهتها الأمم المتحدة والمنظمات العالمية، حيث أنهم يعملون بمعايير احترافية عالية ومن بينها التدقيق المالي من جهات محايدة.

 

٧- إيران كان لها أسوأ المواقف في تأجيج الطائفية ودعم الطغاة في اليمن وسوريا، وتحريك الطائفية في الخليج والعراق ولبنان وغيرها، ويجب على الجميع الأخذ على يدها حتى بالقوة لأن ما تفعله منكر عظيم دمر الأمة ويجب ايقافه.

صنفت السعودية والبحرين والإمارات ومصر في بيان مشترك الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إرهابيا

الجزيرة

خامساً: المستقبل

١- إياكم يا شباب الأمة أن تفقدوا الأمل، فنحن نمر بفترة سواد الليل التي تسبق الفجر الرائع، وفترة المخاض والألم الشديد التي تسبق الميلاد السعيد الذي تنسى به الأم كل ألمٍ مرت به.

 

٢- أنا لا أتعلق بأوهام الغيبيات التي في الأحاديث الضعيفة والحسنة، فالغيب من أمور العقيدة وليس الفقه، والعقيدة لا تُبنى إلا على الصحيح اليقيني، ولنا أمل عظيم من خلال الإيمان بالمبشرات بمستقبل مشرف للأمة، وقد جاء في ذلك أحاديث شريفة صحيحة، وأنا أصدق الصادق المصدوق الرسول ﷺ.

 

٣- يظن البعض أننا نمر بأسوأ الفترات في تاريخنا، وهذا غير صحيح، ففترات الغزو المغولي والحروب الصليبية ودويلات الطوائف قد شهدت من المجازر والخيانات أضعاف ما نمر به اليوم، ومع ذلك تجاوزتها الأمة، وسنتجاوز الأوضاع السيئة الحالية، وسنتخلص من الخونة والطغاة، وستتحرر فلسطين، وستقود الأمة البشرية بالرحمة والعدل والأخلاق والتقدم كما قادتها من قبل. ووالله إني لأرى ذلك وكأنه أمامي الآن، فأبشروا بموعود الله ﷻ لكم.

 

 ٤- وأخيراً فإن الأمة كلها وبالذات الشباب العربي يتطلعون بحرقة وألم نحو هذا المستقبل المشرق ويتمنون تجاوز هذه الأزمات بسرعة، فلا بد للشرفاء في مناصب الحكم والعلم والإفتاء أن يقودوا الأمة نحو الوحدة والعزة والكرامة والنهضة، وهذا واجب شرعي وأخلاقي ووطني على الحكام والعلماء والدعاة وكل من يهمه أمر أمته وبلده.

 

الختام

كان ذلك ملخصاً لآرائي ومواقفي وقد نشرته في مواقع التواصل الاجتماعي المسجلة رسمياً باسمي. أي موقف غير ذلك فهو ملفق وتقطيع آثم وتصرف خبيث لا يمثلني بحال. اللهم إن هذه آرائي المخلصة التي أتقرب بها إليك وحدك سبحانك، وهذه نصائحي الخالصة أتقدم بها للشباب، واعتبرها من أعظم العبادات في هذه الأيام الفضيلة، فتقبلها مني بكرمك وجودك يا عزيز يا كريم. اللهم احفظ أمتنا واجمع شملنا ووحد كلمتنا وتجاوز عن خطايانا واهدنا سواء السبيل، لنقوم بواجبنا بجِد تجاه عزة ونهضة أمتنا وتحرير فلسطين قلب الأمة. اللهم آمين يا هادي يا قدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة