أحلام مصطفى
أحلام مصطفى
1.9 k

سؤال الهوية.. المرجعية.. والحضارة

27/7/2017

إن جدل الهوية الذي استغرق الكثير من مؤلفاتنا وأدبياتنا العربية، والذي مازال قائماً وسيبقى ببقاء هذه الشعوب قد انتقل في السنوات الأخيرة الماضية من الأسلوب الدفاعي الذي يرفض الآخر ويندد بالسيطرة والهيمنة، بينما تنضح كل أفكار وسلوكيات شعوبنا بما يخالف ذلك، انتقل من مرحلة المراقبة الحذرة إلى مرحلة التحليل والتفكيك، انتقل من النظر إلى ظواهر الأمور ليقع على حقائقها وبواطنها، انتقل من التفكير السطحي المباشر الذي يدرس الشكل الذي يعبر عن الهوية إلى دراسة مكوناتها القيمية والثقافية.


والحديث عن فقدان الهوية في مجتمعاتنا العربية الإسلامية لن يقف عند أسلوب حياة يخالف المعتاد، أو طريقة معينة اختار فردٌ ما أن يظهر بها، لأن حديثاً كهذا سيستدعي حديثاً آخر عن كون عالمنا الذي نعيش فيه قد أصبح قرية واحدة ، وأن مفهوم الكونية والتوحد مع الظاهرة الإنسانية هو العرف السائد الآن، أنّك إن لم تكتب أو لم تقرأ، أو لم تأكل أو لم تسمع أو لم تعمل أو لم تستمتع كما يفعل بقية العالم فأنت لست من هذا العالم، ولا تنتمي إلى المنظومة العالمية الجديدة، التي "انصهرت" فيها القيم الإنسانية العظمى لتجمع أفراد الجنس البشري تحت راية واحدة، عالم واحد.

عند تناول المرجعية الإسلامية ومن أين لها أن تستقي المبادئ التي تميزها، والتصور العام الذي تتعامل به مع الوجود بكل مكوناته فلا بد من العودة إلى مصدر هذا التصور الذي يتمثل في التشريع الإسلامي.

لقد أصبح من الواجب أن نتوقف عن النظر إلى الهوية في تفريعاتها البسيطة، لأن هذه النظرة لن تمكننا من الولوج إلى حقيقة ما عليه الأمر، إن رفض منهج معين أو مُنتَج -مادياً كان أو قيمياً- غربي بعينه ليس هو حقيقة استعادة الهوية، وليس اختراق مظهر من مظاهرنا الشعبية أو التأثير في أعمالنا الأدبية أو الفنية هو فقط اختراق الهوية، إن اختراق الثقافة بالمعنى العام، والمفهوم الكلي، لا مظاهرها المتمثلة في الحضارة، هو الذي ينتهي بذوبان الهوية الثقافية، الذي يبدأ برفع شعار التعددية الثقافية والكونية الثقافية، وهما شعاران يحملان طابع الانفتاح الفكري على العالم وثقافاته.


وليس الحديث هنا عن جدوى الالتحام الفكري، فليس من عاقل ينكر أهمية التثاقف ولكن الجدل يبدو عند الحديث عند التخلي عن الثقافة الخاصة والاندماج أو الذوبان في الثقافة الغيرية، يبدأ الأمر أولاً بالاستفادة من مظاهر الحضارة الغيرية، وإن لم يكن هناك من قاعدة فكرية وانتماء مستقر في النفوس إلى أيديولوجية معينة وينتهي بالاندماج الفكري والعملي في ثقافة الغير. هكذا يضحي الاختراق الثقافي استبدال ثقافة الغير بالثقافة الخاصة بدعوى "العولمة" إلا أن ما يحدث هو هيمنة الأطراف الأقوى في المعادلة، والتي تمتلك من المال والتأثير ما تسيّر به "الخطاب" العالمي.

حصر المرجعية الإسلامية في الحدود مقولة "الحلال والحرام" سواءً من قبل المؤيدين أو المعارضين ما هو إلا جهل أو عدم إدراك، أو تشويه متعمد للجانب الكوني من هذا التصور الإسلامي
وكالة الأنباء الأوروبية

وعلى الرغم من الفشل الذي تتعرض له مشاريع النهضة العربية المنفصلة عن بيئتها لازال البعض متمسكاً برؤيته التي تقول أن نجاح هذه المشاريع قائم بالتخلي عن هويتنا وتراثنا ثم اللحاق بالغرب. وقد أدى هذا إلى إسكات حاستنا النقدية في علاقتنا بالغرب، فنكتفي بنقل ما يأتينا من أفكار. لننظر مثلا موقفنا من الحداثة؟ هناك من التقليديين من يرى ضرورة رفض كل ما يأتينا من الغرب، وهناك "المودرنايزورز" الذين يرون ضرورة (وأحياناً حتمية) تبني منظومة الحداثة الغربية، بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وكأننا كائنات متلقية تستوعب كل ما يأتينا من الغرب دون أن نعمل ملكتنا النقدية، ألا يمكن أن نُخضِع هذه الحداثة الغربية لعملية نقد وتقييم صارمة، فنبيّن جوانبها المظلمة، ثم نطرح رؤيتنا لحداثة إنسانية إسلامية تضم الجميع، ولا تجعل من تصاعد معدلات الاستهلاك مؤشراً يتيماً على التقدم؟


لهذا فإن الحديث عن مرجعية إسلامية تحكم النتاج الحضاري الوارد من أيديولوجيات مختلفة عن الأيديولوجية الإسلامية ليس ضرورة، لا بل حق موجود بالقوة لدى كل شعب من شعوب العالم وأممها، وهو حق موجود بالفعل لفئة محدودة فقط من هذه الأمم، وليس الجدل قائماً حول تبرير هذه الأحقية، بل حول كيفية إعمال هذا الحق ووضعه حيزّ الممارسة.


وعند تناول المرجعية الإسلامية ومن أين لها أن تستقي المبادئ التي تميزها، والتصور العام الذي تتعامل به مع الوجود بكل مكوناته فلا بد من العودة إلى مصدر هذا التصور الذي يتمثل في التشريع الإسلامي، لكن مع مراعاة أن الشريعة كمرجعية ليست مجرد قائمة من "الحلال والحرام"، إنها فلسفة ومنظومة فكرية مستقلة تتعلق بالتعامل مع الله سبحانه وتعالى، مع الذات، ومع الآخر.

لأن فقدانه لهويته يعني تحوله إلى قناة لعرض منظور ذلك الآخر، فيصبح عقله في أذنيه، يردد ما يستقبله
رويترز

إن حصر المرجعية الإسلامية في الحدود مقولة "الحلال والحرام" سواءً من قبل المؤيدين أو المعارضين ما هو إلا جهل أو عدم إدراك، أو تشويه متعمد للجانب الكوني من هذا التصور الإسلامي، لأن هذا النوع من الحصر سيجعل من المنظومة الإسلامية منظومة قاصرة أمام نفسها أولاً وأمام الآخر ثانياً، فهي غير قادرة على تلبية كل احتياجات الفرد فيحس بانتمائه إليها، وهي غير قادرة على تقديم ما ينفع الآخر فيقبل بها على أقل تقدير. هذا التصور للمرجعية القاصرة نابع من الخلط القائم بين المرجعية الدينية والمرجعية الإسلامية، وقياس المنظومة الإسلامية على غيرها من المنظومات التي أخفقت في تحقيق التوازن المطلوب لتتمكن من تقديم ذلك التصور العام والشامل، والذي ينبع من كونها تتبنى القيمة الإنسانية كأولوية، فهي تعيد الإنسان إلى وضعه الطبيعي، إلى أن يكون هو مركز هذه الحياة، بعد أن انتزع ذلك منه وأصبح كياناً مائعاً يسير كما يسيره الواقع، ليس له من الأمر شيء، تحركه مجموعة من الظروف الخارجية والرغبات الداخلية.

هوية الفرد لا ينبغي أن تخضع لتغير البيئة التي هو فيها، بل عليه أن يتعاطى ويتفاعل مع هذه البيئة وفقاً لما تمليه عليه هذه المرجعية، لا إملاءً قسرياً، ولكن كرد فعل طبيعي.

ولعل أول ما يتم رفضه في هذه المنظومة الإسلامية هي اتخاذها من القيمة مركزاً، إن مركزية القيمة الأخلاقية التي تدعو إليها المرجعية الإسلامية والتي تواجه بالرفض بحجة أنها خاضعة "للتشريع" بمفهومه الضيّق، أو بحجة حدّها من إبداع الفرد، الأمر الذي يجعله بالتالي عاجزاً عن الإنتاج الحضاري المتجدد، هي في الواقع المنظومة التي تحقق للحضارة الغايات السامية التي نسبت إليها من ارتقاء بالجنس البشري، لأن الحضارة في الفكر الإسلامي لا بد لها أن تسير في خدمة الإنسانية لكونها تتحول هنا من غاية إلى وسيلة، وبدلاً من أن تكون هي الثابت الذي تخضع له القيَم، تصبح المتغيّر الذي تتحكم فيه القيَم. وثبات القيم نفسها يعتمد على المصدر الذي يحدد هذه القيمة ويجلّي مفهومها في الذهن، ولكون المصدر الذي تعتمد عليه المرجعية الإسلامية في تحديد قيمها ثابت، غير خاضع لمتغيرات الوقت والمكان والإنسان، فهو يضمن ثبات تلك القيم وعدم خضوعها لتلك المتغيرات أيضاً.


إن الفرد الذي لا يمتلك زمام أمره فكرياً ليس له أن يتمكن من أن ينتج، ليس له أن يبدع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يأتي بجديد، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو لا بمنظار الآخرين، فمنظور الآخر هو منظور الآخر!، ولأن فقدانه لهويته يعني تحوله إلى قناة لعرض منظور ذلك الآخر، فيصبح عقله في أذنيه، يردد ما يستقبله، أو على أقل تقدير يجهد في محاولة لأن يندمج في ذلك المحيط، ما يحدث مع كثير من المفكرين الذين تعرضوا للفكر الغربي بطريقة أو بأخرى، والذين تنطبق عليهم شروط التحوّل الثقافي، فيصبح أحدهم مطبقاً للنماذج الغربية في وسطه الثقافي المغاير لها، ويكون بذلك قد فقد هويته في عقر داره، أو كما يحدث مع كثير من العلماء الذين يهاجرون إلى بيئات غربية ويحاولون الاندماج أن تطبيق تلك العلوم والتقنيات التي يتعلمونها على طريقة تلك البيئات أيضاً، وكان الأحرى بهذين النموذجين أن يتمكنا من توظيف تلك النماذج الحضارية بما يتلاءم والهوية الثقافية التي تعبر عنهما، والمرجعية القيمية التي يمثلانها.


وهوية الفرد لا ينبغي أن تخضع لتغير البيئة التي هو فيها، بل عليه أن يتعاطى ويتفاعل مع هذه البيئة وفقاً لما تمليه عليه هذه المرجعية، لا إملاءً قسرياً، ولكن كرد فعل طبيعي ليس مضطراً لتفسيره أو تبريره أمام الآخر. لكن كل ما هو مطلوب منه في هذه الحالة هو أن يحسن تقديم النموذج الذي يترجم ما يدّعيه لنفسه من تفرّد وأفضلية، لأن الأفكار وحدها لا تكفي، ولأن الفكرة وحدها لا تصنع الحضارة بل نتاجها ووضعها حيزّ التنفيذ.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة