ساري عرابي
ساري عرابي
2.6 k

بلاد خاوية.. مصر وأخواتها!

8/7/2017
الأصل في الخواء، التهدّم والسقوط والخلوّ، وفي ذلك قوله تعالى: "فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا"، أي تساقطت جدرانها على سقوفها وخلت من أهلها، ومثله قوله تعالى: "فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا" أي خالية منهم، وفي لسان العرب "وكل فرجة فهي خواء"، وغير بعيد عنه أن يكون معناها من معنى المنقلع إذا انقلعت الأشجار عن منبتها، أي خلت منه، وفيه قوله تعالى: "فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ"ولا يلزم أن تنهدّ البلاد وتخلو من أهلها كي تكون خاوية، فمعاني السقوط والخلو والاجتثاث أبعد من ذلك وأوسع، وكذا العرش، فالبيوت لا تستظل بالسقف فحسب، وقد قالت الخنساء: كَانَ أَبو حَسّانَ عَرْشًا خَوَى *** مِمَّا بَناهُ الدهرُ دانٍ ظَلِيلْ

فالعدل سقف، فإذا انهدّت جدران البلاد عليه فهي خاوية، وكذا كل معنى شريف يستظلّ النّاس به، كالمروءة والحمية والعزّة وإجارة الضعيف، وغيرها مما عَرف العربُ أنفسهم به، وعُرفوا به، قبل الإسلام، وبعده، إذ جاء فتمّمه ونقاه وثبّت أركانه. وفي الحديث: "إنّ الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب"، فالخراب أعمّ من خراب البنيان، وفساد النّاس من حسد وبغي طريق إلى خراب البنيان، وفي الأثر أن أنس بن مالك قال لسهل بن أبي أمامة وقد مرّا، ينظران ويعتبران، ببلاد باد أهلها وانقضوا وفنوا خاوية على عروشها: "هذه ديار أقوام أهلكهم البغي والحسد"، وكان أكثر مجيء خاوية في القرآن تصويرًا لمآلات الظالمين.

هذا الذي هدم جدران مصر على سقوف الفضيلة فيها، حليف اليوم لحكّام بلاد الحرمين، الذين لا يقودون المسلمين باسم الحرمين، للدفاع عن المسلمين، ولو بالكلمة، إذ لا نعرف أحدًا من حكّامها قال كلمة، أو أوعز للسيسي الذي يأتمر بأمر "رزهم" لكفّ أذاه عن المستضعفين الذين لجؤوا إلى بلاده.
فإذا نظرنا إلى ما فعله نظام السيسي بمئات الطلاب المسلمين من تركستان الشرقية، الفارّين بدينهم إلى الأزهر، ظانّين أنه لم يزل حوزة علم وحرمًا منيعًا، وبلاد العرب ذمارًا وحمى، وإذا بهم يُلاحَقون ويُعتَقلون ويُسلَّمون للصين، ثم وإذا بالأزهر تسقط جدرانه على فضائل الصدق والشرف، فيكذب مركزه الإعلامي ويزعم أن أحدًا من طلابه الإيغور لم يُعتقل، وشيخه ميّت "إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى"، وكأنه لم يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"؛ فليس لأذهاننا من صور تُعبّر عن حقيقة الحال في مصر، سوى صور البلاد التي انهدّت جدرانها على سقوفها، أو أعجاز النخل التي خلت من منابتها، أو البيوت المقتولة بالصمت الرهيب وقد خلت من ساكنيها.

والحقّ أن المشهد في مصر موحش وقفر وكئيب وأكثر رعبًا وأبلغ في حقيقة الخواء إن ماديًّا بمعنى انحطاط قوّة هذا البلد إلى درجة العجز وانعدام الحول والحيلة، أو أخلاقيًّا بخلو سياسات حكمه من الشرف والمروءة، وعلى نحو يسعى لتعميم الانحطاط على المجتمع، وهو متحقق في الدوائر المؤيدة لنظام الانقلاب، وما كان لنا أن ننسى بعد، كيف افتتح أنصار السيسي عهده، بمشهد تعرية فتاة واغتصابها في ميدان التحرير في حفل تنصيبه بلا نكير من المجتمعين، الذين رقصوا على الدم، وسجدوا للسيسي وحذائه وطافوا حول صورته، وانتشوا شبقين على مجازر الدم "إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ".

إنّها مشاهد النهاية، صورة عما يكون عليه حال شرار النّاس الذين تقع عليهم القيامة: "يبقى شرار الناس في خفّة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور.."، غير أن أهل مصر شحيح رزقهم بحاكمهم، فاسد عيشهم به، ونفخة الصور لم يأن أوانها بعد، ولكنهم في حال من أحوال النهاية.

نعم. النهايات التي تتسم بالخواء، فأهل المعروف الذين يأمرون به وينكرون المنكر، ملأ بهم السيسي المقابر والسجون والمنافي، فلا يظلّ إلا أضدادهم "الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ"، وكما في الحديث فإن هؤلاء الذين لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، هم الذي أُشربت قلوبهم الفتن، فتنة وراء أخرى، حتى انتكسوا، وصاروا "كالكوز مجخيًّا". وإلا، فهذا هو الحال، شرار الناس، يحكمون مصر، ويعمّمون شرّهم، فهم وأتباعهم، في خفّة الطير وأحلام السباع، يسرعون "إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كطيران الطير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السباع العادية" كما يقول النووي في شرحه للحديث، بيد أنهم عاجزون متسولون في حضرة الأمم، يتاجرون بأمن وحياة الفارّين بدينهم.. والكلام عن حكم الانقلاب وأنصاره، الذين جعلوا مصر بأفعالهم وأخلاقهم خاوية، وليس عن عموم أهلها، من شرفاء ومستضعفين.

إذا كان مسلمو تركستان الفارّين بدينهم يُلاحَقون في مصر ويُسلّمون للصين، وإذا كان التعاطف معهم في الإمارات على الأرجح محظورًا، كما هو الغالب على سياسات حكّام هذا البلد، فهل يصير محظورًا التعاطف معهم في بلاد الحرمين، كما هو محظور التعاطف مع قطر.
وهذا الذي هدم جدران مصر على سقوف الفضيلة فيها، حليف اليوم لحكّام بلاد الحرمين، الذين لا يقودون المسلمين باسم الحرمين، للدفاع عن المسلمين، ولو بالكلمة، إذ لا نعرف أحدًا من حكّامها قال كلمة، أو أوعز للسيسي الذي يأتمر بأمر "رزهم" لكفّ أذاه عن المستضعفين الذين لجؤوا إلى بلاده، ومن قبل لا يقودون المسلمين لتحرير بلادهم، أو لدفع المعتدي عنهم، وقد بلغ حال من أَمِرَ أمره فيهم اليوم أن يسعى للتطبيع مع محتلي فلسطين.

وها هي هذه البلاد، بلاد الرز، يثبت أنها يمكنها أن تستخدم نفوذها وأموالها للتأثير على الغرب والضغط عليه، كما تفعل اليوم في حصارها لقطر، وسعيها لتسويق موقفها لدى دوائر القرار في أميركا وأوروبا، وقد فعلت ذلك من قبل مرات عديدة، مثلاً في وقف التحقيق البريطاني في رشاوى صفقة اليمامة، وكما فعل القذافي مع سويسرا بعدما اعتقلت ابنه هنيبال وزوجته بسبب سوء معاملتهم لخدامهم، وكما حاولت السعودية والإمارات مع بريطانيا لأجل حظر الإخوان وإدانتهم.. وهكذا..

ولكننا لا نعلم أن أدوات الضغط هذه تُستخدم اليوم لأجل قضايا العرب، بل لأجل تحطيم الأمة وطموحاتها وقوى التغيير فيها..
وإذا كان مسلمو تركستان الفارّين بدينهم يُلاحَقون في مصر ويُسلّمون للصين، وإذا كان التعاطف معهم في الإمارات على الأرجح محظورًا، كما هو الغالب على سياسات حكّام هذا البلد، فهل يصير محظورًا التعاطف معهم في بلاد الحرمين، كما هو محظور التعاطف مع قطر.. وبهذا يتمدد الخواء أكثر وأكثر.. وتقترب النهايات أكثر وأكثر؟!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة