مي ملكاوي
مي ملكاوي
931

ميرة و"الكاندي" وعُقدة الحرمان

9/7/2017

انتهى العيد وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي "إلا قليلاً"، تنفستُ الصعداء وأنا أرقبُ آخر حبة "كاندي" في يد ابنتي ميرة من التي وُزّعَت في العيد للأطفال، لكنني فوجئت بالآنسة الصغيرة الماكرة وقد خبأت بعضاً من تلك الحلويات في درج ألعابها ضماناً للأيام القادمة.

 

ورغم محاولات هروبي في يوم العيد قبل الصلاة وبعدها ممن كانوا يوزعون أكياس الـ Goody Bags " الممتلئة بالشيكولاتة والشيبس والمصاص والحلويات الصغيرة والذين كانوا مُنتشرين في كل الزوايا بالمسجد وساحة اللعب، لكن ميرة ومريم نجحتا بالحصول على أكثر من كيس لكل منهما وبدأتا بالتهامها أمامي وأنا أكظم حسرتي وغيظي.

 

بدأت ميرة بالشيبس يومها وهو من ذلك النوع الذي يترك أثراً برتقالياً على الفم واليدين، وقد مَسَحتْ ما تبقى منه على يديها وفمها بثيابي، ثم فَتحتْ المصاصات واحدة تلو الأخرى مع فشل كل طرق إقناعي لها بالإبقاء على بعضها لوقت آخر، وقد فعلت مريم نفس الشي لكنني أفلحتُ في سرقة بعض مما كان في كيسها عن عينيها.

 

لم أكن يوماً أخطط لأكون هكذا... أن أحرم أطفالي من الأشياء "الطيبة" المنتشرة في كل مكان، لكن سياستنا أنا وزوجي أن نمنعها قدر الإمكان عن البيت لوقت أطول قبل أن يكبروا ويبدأوا بطلبها وجلبها بأنفسهم ربما

وقد نظرتُ نظرة شملت غالبية الأطفال والأمهات المُنتشيات بفرحة العيد؛ كانت بعضهن يأخذن الصور لأطفالهن وهم يلتهمون ما في الأكياس، وأخريات يُشِحْن بأنظارهن بعيداً عنهم في تجاهل وعدم اهتمام تام... طبعاً فاليوم عيد "أنه يوم الحلويات بلا منازع". حقاً؟ وهل يختلف يوم العيد عند البعض عن الأيام العادية؟ لا أحب ولا أريد التعميم بالتأكيد، فبعض الأمهات عبرن فعلاً عن أسفهن وهن يرون الأطفال لا يأكلون شيئاً سوى الحلويات في ذلك اليوم.

 

ولكنني في الحقيقة وبينما كنت أرفضُ أكياس الكاندي وأهرب ممن يوزعونها وأحاول شد انتباه بناتي لأشياء أخرى، كانت كثيراً من الأمهات يُبدين استغرابهن لما أفعل، بينما أرى منهن من يَجمعن الأكياس ويكدسنها في حقائبهن على حسب عدد أطفالهن، لضمان توفير الكثير منها للبيت في الأيام القادمة، وهي حقيقة ترعبني وتجعلني أبدي أمتعاضي واعتراضي منها في كل مناسبة... حتى صرت السيدة "صحية" بنظر غالبية من يعرفني.

 

لقد أكل الأطفال في يوم العيد وحده من الشيكولاتة وحلو "المصاص" وباقي أنواع الحلويات المسماة بـ"الكاندي" حتى أصابتهم التخمة، ابنتاي رفضتا الطعام المطبوخ في ذلك اليوم حتى وقت متأخر جداً من اليوم، وميرة نامت وقد أكلت أقل من لقمتين من طعام الغداء.

 

لم أكن يوماً أخطط لأكون هكذا... أن أحرم أطفالي من الأشياء "الطيبة" المنتشرة في كل مكان، لكن سياستنا أنا وزوجي أن نمنعها قدر الإمكان عن البيت لوقت أطول قبل أن يكبروا ويبدأوا بطلبها وجلبها بأنفسهم ربما، خوفاً عليهم من "تسوس الأسنان" المنتشر بقوة هائلة بين الأطفال، وتحصيناً لهم من السمنة وأمراض نقص المناعة والسكري التي قد تتسبب من طبيعة هذا الغذاء غير الصحي والذي يُعتبر ساماً وليس فقط مُصنّعاً.

 

وقد قلت أننا لا نحرمهم من هذه الأشياء حرماناً تاماً، فمنعها بشكل كامل من أصعب الأمور نظراً لانتشارها بين غالبية الأطفال في المدارس والمراكز وفي البيوت أيضاً، وتطبيقاً للنظرية الحمقاء التي تؤمن بها الكثير من الأمهات "الحرمان يزيد الرغبة وحبّ الشيء" فأنا أؤكد في كل مناسبة أنني لا أحرمهم حرماناً كاملاً بل أحاول إيجاد بدائل صحية لها، ورغم صحة هذه النظرية نوعاً ما إلا أنني أتجاهلها وأنا أشرح لطفلتاي لماذا أمنع عنهما الحلويات والمصاص والشيكولاته، وأقنعهما أن حبة واحدة باليوم من أي نوع كافية وليس فيها سكر لدرجة كبيرة، حتى أصبحت ميرة بكل براءة تسألني قبل أن تأكل أي شيء: "ماما، هذا فيه سكر؟"...

 

ذات مرة طرحت الموضوع على صفحتي بالفيس بوك وأرفقتُ فيديو يشرح السموم الموجودة في عدد من الحلويات من الأنواع المعروفة والمنتشرة بين الأطفال على أنها جيدة Good Brands لكنها في الحقيقة تحتوي على أنواع من السموم والصبغات والسكريات التي تتكدس في الأجساد على طول المدى وتسبب أنواعاً مختلفة من الأمراض والسرطانات.

 

لا يمكن ادعاء المثالية في التربية، فالتعامل مع الأطفال ومتطلباتهم وهم يرون الآخرين وما لديهم وما يوفره الأهل لهم يجعل المهمة أصعب، ويجعلني أشعر أحياناً برغبة حقيقية أن أختبأ في بيتي وأقفل الباب على عائلتي ولا أخرج للمجتمع أبداً

فأشارت إحدى المعلقات على المنشور أنها حينما تقدم الشيكولاته وأنواع الحلويات المصنعة وأنواع البطاطا المُكيّسة "الشيبس" لأطفالها فهي تلاحظ أنهم يبدأون برفض الطعام أياماً معدودة بعدها وتسدّ شهيتهم عن الطعم المالح المطبوخ ويبدأون بطلب الحلويات أكثر، وقد شعرتُ شخصياً بهذا، فكلما اعتاد الفم على الحلويات زادت رغبته بها.

 

ولا يقف اعتراضي على الحلويات "الكاندي" إنما أضم لها جميع أنواع الشيبس بلا استثناء، والآيس كريم والبسكويت المحلى وطبعاً وبالتأكيد "أكل المطاعم الجاهز من البرغر والناجتز وما حولهما وما شابههما" ويضاف إلى ذلك غالبية الطعام المصنّع الذي لا تنتهي أنواعه وأشكاله.

 

وقد صُعقت حقاً عندما عرفت أنه حسب موقع منظمة الصحة العالمية فإن 60% الى 90% بالمئة من طلبة المدارس في العالم لديهم تسوس في الأسنان، وأن النسبة تصل أحياناً الى 100% بين البالغين في كثير من دول العالم.

 

وفي أمريكا التي أسميها "موطن الوجبات السريعة والأكل المُصنع والمُعلب والكاندي" من كثرة ما أرى الناس تستهلكها وتأكلها؛ فإن 91% من الأمريكيين من سن 20 الى 65 عاماً "خلعوا" عدداً من أسنانهم لأسباب متعلقة بأمراض اللثة والأسنان والتسوس في عامي 2011 و2012 وذلك وفق منظمة الصحة الوطنية ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

 

ناهيك عن نسب السمنة في العالم والتي تتفاوت بين البلاد وتتزايد بشدة في العالم العربي والعالمي لتصل الى أكثر من 40% بين البالغين وفق أكثر من مصدر.

 

لا يمكن ادعاء المثالية في التربية، فالتعامل مع الأطفال ومتطلباتهم وهم يرون الآخرين وما لديهم وما يوفره الأهل لهم يجعل المهمة أصعب، ويجعلني أشعر أحياناً برغبة حقيقية أن أختبأ في بيتي وأقفل الباب على عائلتي ولا أخرج للمجتمع أبداً، ولكن هيهات... فالمجتمع يفرض هذه الأمور عليك فرضاً ونحن فقط في محاولات بائسة شديدة الصعوبة لإيجاد بدائل بيتية للنأي بأطفالنا عن كل ما يُسبب لهم الأذى في تطورهم الجسدي والصحي سواء بسواء مع تطورهم الفكري والنفسي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع المقالة:

1، 2، 3

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة