براء نزار ريان
براء نزار ريان
1.2 k

لا تسلّموا رقابكم للعرب!

1/8/2017
هذا الصيفُ كان حارًّا حقًّا، اشتكى الناسُ الحرّ في كل أرجاء الدنيا، لكنّه كان على أهل غزّة أشدّ حرارةً وقسوة، غزّة التي دخلت الصيف بساعتي كهرباء يوميًّا، شهدت أسوأ صيفٍ في تاريخها (ربّما بعد صيف 2014 حيثُ الحرب المروّعة)، امتلأت صفحاتُ مواقع التواصل بصور أطفالها يمدّون أجسادهم على البلاط، يتشبّثون بكلّ ذرّة برودةٍ ممكنة، حتى يلتقطوا نومهم.

منذُ انتهت الحربُ الأخيرة على غزّة، دخلَ أهلُها حالةً غير مسبوقةٍ من الشعور بالوحدة والخذلان! لقد خذلهم العالم، صبروا كالملائكة، وقاتلوا كالشياطين، وانتزعوا من بين أجنحة الإف 16، وجنازير الميركافاه 4 نصرًا عظيمًا، ثم كان ماذا؟! تآمر الأقربون والأبعدون على نصرهم، دفنوه في مهده، وأخرجوهم من الحرب بخفّي حنين، أو ما دون ذلك! حرموا حتى من إعادة الإعمار، ولبثوا في بيوت الصفيح سنين، ولم يجنوا -سياسيًّا- مكسبًا واحدًا من قتالهم المشرّف.


وهكذا اتّجهت أحوالُ غزة من سيّئٍ لأسوأ، حافظت على خطّ سيرها المنهار، مع تزايدٍ في سرعة الانحدار، وكثيرٍ من المطبّات المحطّمة، حتى حصلت طفرةٌ مشهودة في رحلة العذاب! كأنّ أحدًا أيقظ الرئيس عبّاس من نومةٍ طويلة، وخبّره: يا رجل، ثمة "انقلاب" حصل قبل عشر سنين في غزة، وأنت تنامُ عنها!

لم يذكر عبّاس سببًا لحملته الجديدة على غزة، اللهمّ إلا إعلان حماس عن لجنةٍ إداريّة لتسيير شئون القطاع!
وكالة الأنباء الأوروبية
 

انتفض الرئيس عبّاس كمن يسمع الخبر لأول مرة، وأعلن عن سلسلة إجراءات عقابية علنية تجاه غزة! تطالُ أهلها جميعًا، وأوّلهم موظفوه الذين أجلسهم في بيوتهم نكاية في خصومه، وكان يقطعُ راتب كل من تسوّل له نفسه بالعودة إلى العمل في كنف حماس، فإذا به يقطع رواتبهم بالجملة، ولكن بحجّة القعود عن العمل هذه المرّة! يطلبُ علنًا من الصهاينة تقليص الكهرباء المورّدة إلى غزة، ويقف حجر عثرة في وجه توريد السولار المصريّ إلى المحطّة، ويتفاخرُ أقطابُ سلطته بإغلاق معبر رفح، وأنه لن يُفتح إلا تحت ظلّ سيادته!

لم يذكر عبّاس سببًا لحملته الجديدة على غزة، اللهمّ إلا إعلان حماس عن لجنةٍ إداريّة لتسيير شئون القطاع! فاخترع الرجلُ هذا السبب، الذي لا يصدّق عاقلٌ أن يكون فعلًا وراء سلسلة العقوبات المجنونة، وبالمقابل لا يعلم أحدٌ غير الله عز وجلّ وقيادة حماس الفائدة المتحصّلة -حتى لحماس نفسها- من تعيين اللجنة، أو الإعلان عنها على الأقل!


تزامنًا مع الحملة العبّاسية العنيفة تجاه غزة، تنشقّ طاقةُ أمل مريبة من جهة الجنوب، يتحدّثُ بعضُ قادة حماس الكبار عن "حضن مصر الدافئ"! ووفودٌ من حماس عالية المستوى تغادر إلى القاهرة، ولقاءاتٌ تُنفى وتؤكّد مع أركان النظام المصريّ، ومع عدوّ حماس "وعباس" اللدود، القائد الفتحاويّ المفصول، أو برواية أخرى زعيم التيار الإصلاحيّ في فتح، السيد محمّد دحلان!  كلامٌ معسولٌ من رموز "التيار الإصلاحيّ" تجاه حماس وغزة، ووعودٌ أكبرُ بكثير من مجرّد فتح المعبر! في البداية: مصالحةٌ مجتمعيّة مرجوّة ومأمولة، ودفنٌ لآثار الانقسام وآلامه العميقة، وحديثٌ عن إنشاء منطقة تجاريّة مفتوحةٍ في رفح، وحرّية كاملةٌ لتنقّل الأفراد والبضائع بين مصر وغزة، والأهمّ: حلّ جذريّ وكاملٌ لمشكلة الكهرباء!

من يملكُ من النظام المصريّ الحاليّ شيئًا، إذا فكّت غزة ارتباطها بالاحتلال، وأغلقت معابرها معه، وبيدها سلّمت نفسها للنظام المصريّ، أن يعمد هذا النظامُ عقب عمليّة ما في سيناء، ليتّهم غزّة بها

كلّ هذا برعاية رسمية مصرية، وتمويل إماراتيّ سخيّ، وتصدّرٍ كامل للزعيم الفلسطينيّ الجديد! وبعيدًا من مزاعم الخلاف الشديد داخل حماس حول التعاطي مع الموضوع، وصدمة المتابعين من قواعد وأنصارٍ أو مجرّد مهتمّين بالشأن الفلسطينيّ، فإنّ الأمر -على ما يبدو- يمضي قُدُمًا، ويدفعُه للأمام أكثر الإجراءات العقابية المتجدّدة للرئيس عباس تجاه غزّة، حتى إنك تشعرُ أنه يدفعُ بها دفعًا في حضن غريمه!


مهلًا! هل يُمكن أن تكون مؤامرةً من الرجلين، هل يمثّلُ عبّاس ودحلان على أهل غزة تمثيليّة ما! لا أظنّ ذلك، بل لعلّ القول بذلك مرحلةٌ متقدّمة من السخف والإسفاف، والغرق في نظرية المؤامرة! لكن الذي لا يمكنُ استبعاده من هذا التزامن المريب، هو أن يكون ثمة من يُحرّك عبّاس، والرجل لا يملك قراره بحال، أقول: لعلّ ثمة من يُحرّكه بهذا الاتجاه. هذا الاحتمالُ وحده، يضاعفُ الخطر المرتقب، من الارتماء في "الحضن المصريّ الدافئ"، الحضن الذي تحفّه أخطارٌ معلومةٌ يقينيّة غير محتملة!


أهمّ هذه الأخطار، هو تسليم رقاب الغزيّين لنظامٍ خارجٍ كليّا عن القانون، ليس لتهوّره سقف، ولا يمكن التكهّن بتصرّفاته! نظام باع على سمع الشعب وبصره قطعتين من الأرض التي استمدّ شرعيته من مزاعم صيانتها والحفاظ عليها! نظام لم يتردّد في تهجير مواطنيه بلا ذرة شفقة، بذرائع أمنيّة حينًا كما في رفح والشيخ زويّد، أو لأغراضٍ تجاريّة محضة حينًا آخر كما في جزيرة الورّاق! نظام يجوّع شعبه فعليًّا بسياسات اقتصاديّة لا ترحم. نظام يشتري رضى الغرب ورزّ الشرق بأيّ ثمن، وخلفه أنظمةٌ لا تقلّ عداوةً للمقاومة الفلسطينية من العدوّ الصهيونيّ، بل خلفه العدوّ الصهيونيّ نفسه أيضًا! فهل من خطرٍ أكبر من الارتماء في حضن "أمّنا الغولة" التي تأكل أولادها!



لعلّ قارئًا يتوهّم أنني أمدحُ المحتلّ أو أقلّلُ من إجرامه، لا أظنّ أحدًا عرف إجرام الصهاينة في خاصة أهله وأحبابه مثلي! لكنّ الدولة الصهيونية -مهما بلغت من السوء- نظامٌ له قواعدُ في النهاية، إن لم تكن هذه القواعد تحكمه، فإنها تنبيك عن تصرفاته على الأقل! ثم هو العدوّ الصريح الذي لا تخسرُ متى حاربته كما تخسرُ بحرب وكيل عنه!

إذا كان العربُ اليوم يقفون مع "إسرائيل" ضدّ غزة ومقاومتها، فليت شعري ماذا سيكون موقفهم إذا كانت الحربُ مصرية!

إنّ الاحتلال الصهيونيّ آخرُ من يوصفُ بالعقل أو النّبل، لكنه يحبُّ أن ينفّذ آخرون عنه مهامّه الأقذر، تمامًا كما صنع شارون في صبرا وشاتيلا! ثمة خطر أكبرُ من هذا كلّه، يتهدّد القضية الفلسطينية برمّتها، لا غزّة وأهلها فحسب، إذ يبدو الانفصال الكامل عن الاحتلال، والارتباط البديل بمصر كتمهيدٍ معقولٍ لما سُمّي بـ "صفقة القرن"، أن تضمّ "إسرائيل" الضفة، ويُمنح الفلسطينيون دولةً بديلة في غزة وجزءٍ من سيناء، برعايةٍ مصرية ومباركةٍ عربيّة، فأي كارثةٍ أكبر من أن نسير مسرورين في الطريق الذي رسمه عدوّنا لتصفية قضيّتنا ودفن وطننا!


بعد هذا كلّه، من يملكُ من النظام المصريّ الحاليّ شيئًا، إذا فكّت غزة ارتباطها بالاحتلال، وأغلقت معابرها معه، وبيدها سلّمت نفسها للنظام المصريّ، أن يعمد هذا النظامُ عقب عمليّة ما في سيناء، ليتّهم غزّة بها، ثمّ يخنقها خنق النظام السوريّ لحلب أو فوق ذلك، من يملكُ من حاكم مصر شيئًا إن فعل ذلك! ثمّ ماذا ستكون العاقبة: حربًا مصريّة فلسطينية! إذا كان العربُ اليوم يقفون مع "إسرائيل" ضدّ غزة ومقاومتها، فليت شعري ماذا سيكون موقفهم إذا كانت الحربُ مصرية!


قد لا يصدّق القارئ أنني لم أرد من كلّ ما سطّرتُه أعلاه أن أحكم على المسار، حقًّا لستُ بالضرورة ضدّ أيّ محاولةٍ للتخفيف عن غزّة، ولو اكتنفها الخطرُ والغموض، لكنّ كل ما أريده هو أن يكون سالكو هذه الطريق مطّلعين على الأخطار المذكورة، أن يضعوها في حسبانهم، ويولوها اهتمامهم، ألا يفكّروا بمنطق المأزوم، وألا يسلموا -ما استطاعوا- رقابهم للعرب! 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة