أروى الطويل
أروى الطويل
1.7 k

الإنسان الإله.. الإجهاض نموذجاً

12/8/2017
قرأت عدة مرات دعوات ومقالات عربية بل ومسلمة تتحدث عن الحق في الإجهاض، حرية الجسد وشكوى من الصعوبات الخارقة الحارقة التي واجهتها الفتيات عند محاولتهن الحصول على بعض الحبوب الميسرة للإجهاض من الصيدليات وخلافها من المراكز الطبية.. مقالات تتحدث عن ملكية المرأة لجسدها، أفكر في الكلام البراق المكتوب وأقول: ثقافة الجسد المملوك لصاحبه، وثقافة التخلي عن مسؤوليات الأفعال المباشرة ومآلاتها، ثقافة التسلط واللامرجعية، ثقافة أن كل شيء مسموح ما دمت تمتلك القدرة عليه.

تبدو لي هذه المقالات كخير ممثل مادي ومعنوي عن الثقافة الغربية، خير ممثل عن مقولة " البقاء للأقوى" فالأطفال الذين يتم إجهاضهم / قتلهم، هؤلاء لن يصرخوا ويعبروا عن ألمهم وحزنهم، لن يتسببوا في خسارات هائلة لأصحاب الأسهم والشركات بإضراب عن العمل مثلًا ولن يقطعوا الطريق أو يشعلوا الإطارات، هؤلاء يذهبون في هدوء بلا اعتراض ببعض الحبوب أو عمليات تحت إشراف طبيب مختص فلا بئس ولا ضير.

لا يختلف الإجهاض كثيرًا بالنسبة لي عن قتل الملايين من السكان الأصليين في أميركا أو أستراليا مرورًا بالإبادة في فيتنام وهيروشيما وناجازاكي وأفغانستان والجزائر، وأخيرًا وليس آخرًا سوريا.. هؤلاء بشر بلا صوت، بلا قوة، يمكن للحضارة الغربية أن تسحقهم تحت حذائها ليس لأنهم بلا حقوق، بل لأنهم أصلاً غير مرئيين.. ليسوا حشرات لأن للحشرات مدافعين عن حقوقها، أما نحن وهؤلاء الضعفاء ففراغ.

هذا بالنسبة لي عقد يتصل أوله بآخره بخيط يبدأ بالبقاء للأقوى ويمر ببعض مبادئ "التحديث والتنوير والتطوير" أما واسطة العقد فهو "الإنسان الإله".. الإنسان الإله هو حالة خاصة جدًا من الوجود الإنساني، فالإنسان الإله يجب أن يكون أبيض، يملك صوتًا مؤثرًا في الانتخابات، أو هو جزء من "عجلة الإنتاج" التي قد تقف أو تتعطل إن حدث به عطل ما.. قد لا تكون إنسانًا أبيض، ولا تمتلك الأصوات ولا الأسهم ولكن يمكنك أن تلحق بالركب وتنادي بما شئت من مبادئ بغض النظر عن أصلها أو عن مرجعيتها أو لا مرجعيتها.

للجنين حقوق شرعية إذا ما أتى، أما إن لم يكتب له المجيء ومات، فحقه أن يكفن ويغسل ويصلى عليه، هذا إنسان كامل، هذه حقوق يحاسب الله عليها أبويه إن قصروا فيها.

وكالة الأنباء الألمانية

لا تشمل بالطبع حالة الإنسان الإله مثلاً "الطفل الجنين" فكما أوضحنا أعلاه هذه الحالة غير محسوبة، إذ أن رضى الإنسان الإله وحريته في التحكم في جسده تصبح أولوية، هل سيعطل الطفل الجديد كفاءة الإنسان الإله الذي يحمله؟ هل سيعكر صفو "التحكم والسيطرة في جسده ووقته وماله؟" فلنقتله إذن ببساطة تامة وبلا إحساس بالندم ولا تحمل لمسؤولية الفعل الذي أتى به.

يبدو هذا لي كصدام هائل مع عنوان أكبر يسمى التوحيد، في هذا العنوان لا يملك الإنسان جسده ولا روحه ولا حتى طفله الذي يحمله في أحشائه، لا يملك الضعيف ولا القوي، لا يملك حق التصرف في ملك الله إلا بما شرع الله.. كل طفل نفخ فيه الروح لم يعد ملكًا لأهله، وحتى قبل أن يأتي وقبل أن ينفخ فيه الروح أصبح له حقوق تامة، لا ينتزعه منها إلا من منحه إياها، من هذه الحقوق حسن بناء الأسرة، وحسن اختيار النسب، وحسن تخير النطف، هذه حقوق شرعية لجنين قد يأتي مستقبلًا، أما إن لم يكتب له المجيء ومات فحقه أن يكفن ويغسل ويصلى عليه، هذا إنسان كامل، هذه حقوق يحاسب الله عليها أبويه إن قصروا فيها.

وهنا يتبدى لنا إعلان منظمة الصحة العالمية الأخير كتجلي أعلى لظاهرة الإنسان الإله، وللكفر بكل قيمة ممكنة، ولعلو الاستهلاك حتى استهلاك الأطفال كسلعة لإشباع غريزة الأمومة أو الأبوة أو حتى الشذوذ - لغير محددي الجنس طبعًا - بلا حقوق للضعفاء - الأطفال في هذه الحالة، ولا ضمان لتربية سليمة أو نفسية سوية، هل تريد طفلًا؟ خذ طفلاً بتلقيح لشخص مجهول لا ضرورة لممارسة فطرة الله في الإنسان "الجنس" للحفاظ على النسل فهذا لم يعد نسلًا بل أصبح "سلعة"..لا داعي للالتزام بعلاقة "بنية" الأبدية مع شخص آخر، لا داعي أصلاً للتربية ولا للمجهود ولا للتمهيد الحقيقي لاستقبال طفل جديد، أشعر بالخطر والقلق كيف يمكن أن يكون الانحدار الإنساني بهذه السرعة؟

إنني كلما مررت على هذه المقالات فكرت أن أرد، أن أعلق، ولكنني أجد أن الخرق قد اتسق على الراتق، فأفضل الصمت.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة