أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
1.4 k

قناديل الجوع المطفأة

12/8/2017
ظل جنوح الحيتان، لسنوات مضت، لغزاَ محيّراً لكثير من العلماء والمهتمّين بالبيئة البحرية، فما الذي يجبر هذا الكائن السمين، شيخ البحر وديكتاتور الأعماق أن ينتحر مع سبق الإصرار بالخروج من الماء والارتماء على رمال الشواطئ حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة منفصلاً عن مملكة الماء التي ولد وسبح وحكم فيها؟

في الآونة الأخيرة لم نعد نسمع عن انتحار الحيتان في نشرات الأخبار أو في منوّعات المواقع الإلكترونية، إما أن الحيتان أقلعت عن هذه العادة "الإنسانية المغرقة بالإحباط" أو أن موت هذه الكائنات صار عادياً جداً مثل موت العرب فلم يعد خبراً لافتاً أو موضوعاً يستحق البحث أو التضامن.

في صورة مقلوبة لانتحار الحيتان الطوعي، أجبر مقاولو الموت، الأسبوع الماضي، عشرات المهاجرين الأفارقة على القفز في البحر قبالة السواحل اليمنية خوفاً من دوريات خفر السواحل، عشرات من الجثث السمراء النحيلة من شباب الصحراء القاحلة ماتوا متخمين بالماء والملح، عشرات من أبناء الصومال وأثيوبيا الهاربين من أنياب المجاعات الحّادة أجبرهم المهرّبون على القفز في اليم بشكل جماعي، فتح الموت فمه على اتساعه، وابتلعهم جوف حوت الأحلام ككبسولة بشرية مجانية مضادة لدوار المدّ والجزر الذي لا يهدأ.. فارتوى الجياع بماء البحر واتخموا ثم طفوا على صفحة اليمّ كنقاط حبر غرقت حروفها من رسالة الإنسانية الضائعة.

هل يُشترى الموت؟ في ملهاة النسيان العميقة، في أفريقيا الجفاف والأجساد الضئيلة يُشترى الموت للهروب من الموت، يجمع الشباب ثمن الرحلة الأخيرة بكدّ وجوع وتعب، يرهنون كل شيء حتى أي شيء، ليركبوا سفينة الهروب البدائية، يدفعون للمقاول دولاراتهم المغمّسة بالعرق والحلم هرباً من الجوع ليموتوا بتخمة الماء الذي لا يحمل سطحه سوى الجثث المنفوخة.. تطفو الأجساد وحيدة في الزرقة الممتدة، فتغري النوارس للوقوف، تأكل من رؤوسهم أحلاماً لم تنضج بعد، وينهش السمك الصغير أصابع أقدامهم التي لم تحتمل قيظ أفريقيا ففتك بها ملح البحر الذي لا يذوب أبداً مهما حاورته الأمواج.

الحيتان المتخمة تموت على الشواطئ طواعية، وشباب أفريقيا الجياع يموتون في الأعماق كرهاً.. هذان جناحا البحر كما المدّ والجزر، التخمة والجوع، القوة والضعف، فلا تلوموا سماسرة الموت على جشعهم.

رويترز

أكثر من خمسين مهاجراً صومالياً وأثيوبيا لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً أجبرهم مقاول "التهريب" على القفز موتاً في البحر كي لا يصادر قاربه الخشبي المصمم عل شكل "نعشٍ" طويل، قال لهم: موتوا جميعاً هنا في عرض البحر فقد انتهت الرحلة.. هربتم من الجفاف، فهاكم هذا الارتواء الذي لن تظمؤون بعده أبداً.. هيا اقفزوا كأعواد ثقاب اشتعلت رؤوسها وانطفأت في الماء إلى الأبد، لا وقت للمساومة فلدي حمولة أخرى من رصيف الصحراء تستعجل الموت مثلكم فلا تؤخروني..

الحيتان المتخمة تموت على الشواطئ طواعية، وشباب أفريقيا الجياع يموتون في الأعماق كرهاً.. هذان جناحا البحر كما المدّ والجزر، التخمة والجوع، القوة والضعف، الاختيار والإكراه، فلا تلوموا سماسرة الموت على جشعهم هم مجرّد فواصل ترقيم في قصة "الضفّة الأخرى" وسيغرقون يوماً ما بعد أن ينقلب تابوت الأحلام عليهم..

يا شباب أفريقيا زمن المعجزات قد انقضى، ففي كل ضفة فرعون.. وفي كل أرض فرعون.. وفي كل بحر فرعون.. يا قناديل الجوع المطفأة، تابوت موسى ولدت منه الحياة، وتابوت أفريقيا يتكاثر فيه الموت.. تابوت موسى "لْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ" وتابوت الهجرة "لْيُلْقِهِ السَّاحِلِ الْيَمُّ".. لا تراهنوا على النجاة فلن تقرّ عين الصحراء بعدها.. فقد رمت أمكم الصحراء ألف تابوت في اليمّ مستودعة أبناءها، ماتوا جميعاً وعاش فرعون.. نحن في زمن لا يطبق البحر إلا على الفقراء.. نحن في زمن تلقف فيه أفعى فرعون كل عصيّ الحرية والكرامة والجوع... ونخرّ راكعين!

يا شباب أفريقيا، لا تشتروا الموت بأحلامكم .. ففي كل الضفاف العربية يوزّع الموت بالمجان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة