أحمد أبو خليل
أحمد أبو خليل
1.9 k

أيام في طنجة

13/8/2017
السادة المتوجهون إلى المحمدية، عين السبع، الرباط أجدال، الرباط المدينة، سلا تبريكيت، القنيطرة، القصر الكبير، أصيلة، طنجة المدينة، اصعدوا القطار من فضلكم، الدرجة الأولى في مقدمة القطار، من فضلكم انتبهوا للسير.. تدفق صوت مذياع المحطة الآلي يكرر على المسافرين بالعربية والفرنسية القطارات التي وصلت للتو، والرحلات التي ستنطلق، أفتح صدري لبعض الهواء البارد وأطابق رقم القطار مع التذكرة في يدي ثم أستسلم لتيار المسافرين الصاعد إلى القطار.

كل شيء منبسط أمام عينيك في الطريق إلى تلك المدينة الشمالية، السهول والوديان والمراعي، الأرض المحروثة المحملة بالبذور في طياتها تستعد لأمطار الشتاء، والأزهار المتناثرة التي تودع شمس الصيف، البيوت المتراصة على الحواف والشياه التي ترعى أمامها، الهضاب والجبال أحيانا ولون البحر الذي يلوح من بعيد كلما اقترب خط السكة أكثر إلى الشمال، الصور من خلف النافذة تتداخل مع الأصوات العربية المحرّفة بالدارجة المغربية أو اللغة الفرنسية، وأزياء النساء المحليات وصخب الأطفال في ممشى القطار الذي لم يتوقف إلا بذلك الصوت الآلي ينطق من جديد بعد ساعات طويلة: طنجة المدينة، نهاية السير.

كانت الشمس قد غربت، وإن كان الضوء الأخير منها ما زال في الأفق ترسله على استحياء من مرقدها خلف البحر فيختلط مع أضواء المدينة ومصابيحها التي صحت للتو، السيارة انطلقت من المحطة صاعدة نحو الأفق، مُستقبلتي الطنجيّة المضيافة وصديقها يعرفانني على المدينة الوليدة في عيني، سلكنا شارع البوليفار الرئيسي كل مبانيه كاسمه فرنسية الطابع، تشعر كأنك في مديمة أوروبية بامتياز، لا يقطع بأوروبيتها إلا عباءات بعض الرجال والنساء ذات الطُرز المغربية المميزة.

شقة صغيرة في الدور الأرضي من بناية هادئة، باب المطبخ يطل على فناء صغير محفوف بشجر الورد والريحان، يتوسط الفناء طاولة ومقعدين، وجه حبيبتي الصباحي هنا يتناول معي الكيك والشاي، أستكمل قراءة الجريدة وهي تمسك بالبخاخ وتمطر الشجيرات بقطر الماء، لم أستطع أن أنظر إلى ذلك المكان بغير هذا المشهد الذي يدور في رأسي، أي صباح استقبلتني به هذه المدينة العجيبة.




كانت المدينة تتفتح أمامي صفحة صفحة، تتدفق إلى داخلي دفعة دفعة، كشراب جديد يذيقني منه رشفات بعد رشفات، وأنا لم أكن بالمتعجل، فهذه مدينة لا يصلح معها من صفات العجلة شيئا. كنت أشعر بالبحر في كل مكان، لم أره بعد ولكن في كل شارع من شوارعها أشعر بأنني أسمع هديره من بعيد، كأنه يعزف سيمفونية هادئة تسير في أوصال وعروق المدينة، لاحقا أكتشف أن كل شوارع المدينة تقريبا نهايتها البحر، من الشمال البحر الأبيض ومن الغرب المحيط الأطلسي.

عندما وقفت عند المحيط لأول مرة اختطفني الزمن في لمح البصر، أحسست بحوافر فرس عُقبة غارسة في الرمال، سمعت صهيله وكلمات فارسه الذي لا يريد أن يتوقف عن العدو والفتح، وعندما وقفت عند البحر لأول مرة ونظرت صوب جبال إسبانيا المترائية من بعيد انفلت كل شيء، كانت غارقة في الضباب كحلم غير واضح المعالم، حلم لثمانية قرون كان ثم ذاب في الضباب كأن لم يكن.

من فوق الجبل المطل على المضيق تشعر أنك تطل من علٍ على عالم يبدو كزقاق صغير تحت شرفتك، تُرى هل رست سفينة نوح على هذا الجبل فعلا وجاء الطائر صاحب الطين في منقاره فهتف نوح: "الطين جاء"، فوُلدت "طنـ جه"؟ كل من مروا على هذه المدينة لهم روايتهم الخاصة لاسمها، كلهم يدعي أنهم من سموها، قصص الفينيقيين وأساطير الإغريق وكتابات الرومان وكل القادمين من البحر، حكايات الأمازيع وكتب العرب المدونة في الأسفار والرحلات وكل المنبعثين من الصحراء، كلهم يدعي وصلا بطنجة، وطنجة لا تبالي، تبتلع كل شيء وتمزجه مرة أخرى بلون الصخر والرمل والبحر.

لافته صغيرة في ساحة السوق تشير إلى طريق ملتوي ضيق لضريح ذلك الرحالة الفريد، محمد الطنجي، أو ابن بطوطة كما اشتُهر، ذلك الشاب ذو الاثنين وعشرين عاما، الذي نزل من شرفته الطنجية إلى العالم، ذلك المؤرخ الشاعر الفقيه القاضي الذى قرر قطع بلاد المغرب إلى مصر ثم السودان فبلاد الشام فالحجاز ومكة والحج، فالعراق وفارس وبلاد ما وراء النهر والهند والصين وبلاد التتار وأواسط أفريقيا، ثم بعد ما يقارب الثلاثين عاما يعود ليدفن هنا مرة أخرى، أو ربما ليس هنا، في مكان ما غير معلوم، في مكان ما يبتدئ من طنجة وينتهي إليها ويطيف بكل العالم.


ما إن تترك المدينة خلفك حتى يقابلك مرفأها الكبير، المرفأ الذي انطلقت منه ذواتُ الألواح والدسر بخيول الفاتحين أصحاب طارق، ومن بعد قرون خيول المرابطين والموحيدن في محاولة الإنقاذ الأخيرة لأندلس يوشك على الضياع، المرفأ الذي لم ينتظر كثيرا حتى استقبل آلاف الفارين بأشرعة منكسة من وطن محترق وغربة لن تنتهي، كأني أرى مدامع القوم وحسراتهم عدد موج البحر المتكسر على شاطئ المدينة، والشاطئ متبلد مر عليه الآلاف من قبلهم، الإغريق والرومان والقوط، ومر عليه الآلاف من بعدهم البرتغاليين والإنجليز والإسبان والفرنسيين، رحلوا كما جاءوا منه تارة أخرى، تاركين المدينة تلملم جراحها في كل مرة.

عندما تترك المدينة القديمة خلفك تجد أن أوروبا كلها أمامك مرة أخرى، شارع بولفار الذى استقبلني في البداية ممتد من أول المدينة لآخرها كأنما هو قادم من أول القرن التاسع عشر بكل مبانيه العالية.

رويترز

لم تغادر الأندلس من هنا قط، رغم أن البرتغال دمروا كل معالم المدينة وطردوا منها أهلها إلا أنني أشتم رائحة الأندلس في وجوه الرجال وحُجبُ النساء، عندما دخلت للحي القديم، عرفت ذلك، استسلمت تماما لمتاهة المكان والزمان، مُحال أن تتلمس طريقا مستقيما لأكثر من عشرة خطوات، أو زقازقا يتسع لمرور أكثر من ثلاثة من المارة متجاورين، كل زقاق به عشرات التفريعات، البيوت المصبوغة بالأبيض والأبيض والأزرق تضفى على المتاهة سحرا خاصة، الزوايا والخانقات والأسبلة التي ما زالت صنابيرها النحاسية تعمل، الزخارف التي تبدأ ولا تنتهي، تمر عبر الجدران إلى الألبسة والحلي والمقاعد الصغيرة والجرار الفخارية المزروعة.


ليست الأندلس فقط التي لم تغادر، كلهم لم يغادروا، حتى هرقل ومغارته ما زالت شاخصة أمام البحر، عندما تترك المدينة القديمة خلفك تجد أن أوروبا كلها أمامك مرة أخرى، شارع بولفار الذى استقبلني في البداية ممتد من أول المدينة لآخرها كأنما هو قادم من أول القرن التاسع عشر بكل مبانيه العالية ذات الطراز الباريسية، وأرصفته المرصعة بالأحجار الصغيرة المتراصة على جانبيه، المقاهي والمحلات نصف العربية نصف الفرنسية، المهرجانات السينمائية والحفلات الغنائية، البارات والحانات الليلة، القبعات الغربية وأزياء النساء المكشوفة، لوهلة تظن أنك في مدينة جديدة أخرى.

ذات فجر، صليت في جامع قريب، سمعت للمرة الأولى الرعد بورش عن نافع، بعد الصلاة جَلَسَتْ حلقة صغيرة تردد الذكر وتقرأ ربعا من آل عمران بصوت جماعي، ويكاد شاطئ المدينة ينسيني أن أحوازها أحواز رباط وجهاد وزوايا صوفية ملأت الجبال، وجاهدت السنين الطوال، كان الخط المغربي في المصحف الذي بين يدي يذيبني مع انحناءات أصواتهم وحروف لاماته ونوناته وياءاته بنهاية الكلمات، كيف استقى ذلك الخط العجيب من جفاء الخط الكوفي هذا اللين المتنوع، وكل تلك الأقواس الآسرة.


مرت ثلاثة أسابيع، لا أتذكر أنني خلال هذه الأيام القليلة ركبت أي مواصلة داخلية في المدينة، فقط حين جئتها من القطار وحين رحلت منها إلى القطار، أحب المدن الصغيرة، التي أترجل فيها إلى وجهة أنا قاصدها، كان البحر يدور معها ويدورها فإذا هي منبسطة أمامي على كف يدي أكوره فأسير إلى كل اتجاه مستمتعا بالشوارع والأزقة.

ما الذي ينقص مدينة كهذه، آه، بالطبع أعرف، ربما منذ اللحظة الأولى، وجه حبيبتي التي تناولت معي الكيك بالشاي في اليوم الأول لي هنا، ربما لو كانت معي لقطعنا جوازات السفر وقدمنا بطلب اللجوء، أو اختفينا في أحد تلك الأزقة إلى الأبد، أو ركبنا البحر وهمنا في الصحراء كابن بطوطة من جديد، أفقت من أحلامي على وقع صوت الرسالة التي أتتني للتو من جهة عملي تذكرني بتقرير عن الرحلة. ضحكت، ذلك تقرير لن يرى فيه أحد وجه طنجة.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة