إن لم يكُنْ بك غضبٌ عليّ فلا أبالي

13/8/2017

كيفَ التفتُّ وصرتُ لا ألقى سوى..
متوجعٍ يشكو إلى متوجعِ؟!

هكذا تساءل الشاعر إيليا أبو ماضي عن أحوال الدنيا في تعجب، فعبَّر عن الحياة التي أصبحت على القلوب قاسية، شديدة العتمة، كظلمة بطن حوتٍ في أعماقِ بحرٍ فوقه ليل قد كبّلت غيومهُ أنوار قمره، فأصبح ظلام يموج على ظلام! ألقى علينا تساؤله، فنقل إلينا بكلماته صورة لوجوه قانطة، غلبها التعب فباتت تسير منكسرة، بل وأسمعنا بإيقاعه الحزين صرخات قلوب قد شاخت من العجز حتى باتت تنبض بالآه!

كأننا نرى من خلال البيت صورَ حياتنا الأليمة.. ربما في تلك المرأة العجوز الجالسة في زاوية من زوايا الطريق، قد انحنى ظهرها من القهر الذي تكابده، تضع أمامها بضع قطع من الجبن، أو أخرى جلست جوارها، تبيع بعض الخضراوات ببضع جنيهات لا تستحق ذلك التعب. تحاول كل واحدة منهما أن تبيع ما أتت به لمارة، بعضهم يرمقهما بعطفٍ والبعض الآخر بازدراء!

لكل امرء رسالة يحملها، لن تكون يسيرة، بل مرهقة، صعبة، ولكن طالما أنه يسعى لرضا ربه.. فلا بأس، حتى وإن لاقى في سبيلها كل شيء صعب.

وبرغم كل صعاب الحياة، إلا أنهما قد يسرقان لحظة من لحظات الزمن يتبادلان فيها الضحكات، ضحكات ربما يائسة غير صادقة، ولكنّها العملة الوحيدة التي قد تساوي عناء طويل شديد لا يليق بمن هو مثلهما سنًا ومقامًا. ضحكات فيها المواساة، متوجعة تواسي صاحبتها المتوجعة بلا فائدة تذكر. وربما نراها في وجه رجل عاد من عمله وهو يحمل على وجهه العابس هم الحياة كلّه! يفكر في الغلاء المحيط به من كل جانب، يفكر في أولاده وما يخبئه المستقبل لهم، يفكر كثيرًا كيف يستطيع أن يوفر تلكم الأموال القليلة التي لا تكاد تكفي حتى منتصف شهره! وبعد ذلك كله يرتدي وجهًا مبتسمًا حتى لا يشعر أبناؤه بذلك الهم، وما أثقل ابتسامته!


أو ربما نراها في عين كسيرة على محيا طفل يتيم فقير في زاوية بعيدة من زوايا حوش مدرسته في فترة الراحة، يرمق أقرانه وهم يأكلون ويشترون كلَّ مل لذ وطاب، وهو يفكر فقط كيف عساه يكتم نداء بطنه الجائعة الذي يكاد يفضحه!


أو في جلسة أُمٍّ جالسة في مساء الليل البارد، تحمل بضع عُلب من المناديل الورقية، تنتظر أي إعانة بلا طلب، فقط تجلس هناك على جانب من جوانب الطريق صامتة ناظرة إلى الأرض تخفي وجهها في حياء، تحاول أن تحصل على أي حسنة يسيرة قد تأتي بها لأولادها بقطعة حلوى تدخل السرور على قلبهم.

أحلام بسيطة، لكنها أوجاع شديدة، كلهم متوجعون يشتكون إلى متوجعين. غلاء، فقر، جوع، مرض، ظلم، قهر، شقاء، يأس، عجز.. إلخ". مشاعر أصبحت مقيمة في كل قلب، حتى تمنت النفوس لو لم تكن خُلقت لتشاهد كل هذا التعب، تتوجع في صمت، تكاد تطلب الموت حتى تستريح، ولكنه حتى لا يأتي!

هذه الحياة كلها لا تساوي شيئا، لا تساوي دمعة تسقط من طفل، ولا صرخة أم بسبب العجز، ولا عبوس رجل عجز عن كل شيء! هي دنيا تنقضي وتنتهي حتى نذهب إلى جوار الله

رويترز
 

في خضم كل تلك الصور، كلما مرت أمامي تلك الحياة القاسية لا أفكر سوى في لحظة واحدة.. يوم الطائف عندما ذهب نبيّنا الحليم إليهم حاملاً النجاة لهم، فحملوا الصخور له، دعاهم بوجه طلق، فقابلوه بلسان سليط، أتاهم داعيًا إلى الله، فردوه نصرة لأصنام كادت أن تطبق عليهم الأخشبين لولا رحمته -صلى الله عليه وسلم-! بعد ما ردَّ جبريل وسامحهم، عاد وقلبه محمل بالكمد، وعينه كادت تفيض بالدمع، قدمه تبكي دمًا، حزين على ما رأى منهم، ولكنَّ حزنه الأكبر كان عليهم -برغم كل ما فعلوا- كان يرجوا أن يخرج من بين أظهرهم من يأتي إليه مؤمنًا به معترفًا بوحدةِ الله عزّ وجل!


وبعد كل ذلك الحزن والظلم، وقف مناجيًا ربه، رافعًا كفه الشريفة، مطلقًا لسانه البليغ بتلك الدعوة الخالدة التي يقشعر البدن من جمالها:"إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ".


هكذا بكل بساطة! منهج حياة، كلمات تدل على أن لكل امرء رسالة يحملها، لن تكون يسيرة، بل مرهقة، صعبة، ولكن طالما أنه يسعى لرضا ربه.. فلا بأس، حتى وإن لاقى في سبيلها كل شيء صعب، فهي ستنقضي وتنتهي لتبدأ حياة مبدأها رضى الله.


وهكذا نعيش، نعاني كل يوم ألف مرة من الظلم والقهر، نكره الحياة ونكره ما آلت إليه من تعاسة لا تُطاق، ووحدة قد مزّقت النفوس، ألم يتبعه ألم، خوف من الغد، بكاء في كل ليلة على وسادة تحمل عنّا ما قد منعته الابتسامة من السقوط حتى كاد يخنقنا! ننظر إلى السماء ونبتسم، ثم نقول: إن لم يكن بك غضب فلا أبالي".

نعمة وجود الله مريحة للقلب، إيماننا بأنَّه يرى أحوالنا، ويدرك معاناة الضعيف، وحزن الحزين، وقهر الرجال. يعلم ما تخفيه النفس -حتى وإن أنكرت الوجوه- تزيح عنَّا كثيرًا من التعب.

هكذا تعلمنا من تلك الدعوة، أنَّ هذه الحياة كلها لا تساوي شيء، لا تساوي دمعة تسقط من طفل، ولا صرخة أم بسبب العجز، ولا عبوس رجل عجز عن كل شيء! هي دنيا تنقضي وتنتهي حتى نذهب إلى جوار الله، نستمتع بالعدل، ونستريح به، نجد جزاء للصابرين المتعبين، الذين فقدوا كلَّ شيء فيها، لكنَّهم قالوا "الحمد لله" بصبرٍ عجيب، ونفوس راضية قد أدركت أن رضا الله عز وجل هو ما يستوجب العناء والبكاء عليه إن فرطنا فيه.


إنَّ نعمة وجود الله مريحة للقلب، إيماننا بأنَّه يرى أحوالنا، ويدرك معاناة الضعيف، وحزن الحزين، وقهر الرجال. يعلم ما تخفيه النفس -حتى وإن أنكرت الوجوه- تزيح عنَّا كثيرًا من التعب. إيماننا بوجود حياة أخرى نقف فيها أمام ملكٍ عادل، يحاسبنا على مثقال الذرة من خير وشر، هي ما تجعلنا نمضي بلا بأس، ونقول بكل صبر: هناك ملك عادل سيحكم بيننا.


فما من أحدٍ يقوى على تحمل فكرة مرور كل هذا التعب والكد والخوف بلا جزاء.. هكذا هباءً منثورًا!
فالحمد لله على نعمة وجود الله، على قدرتنا في كل كرب أن ننادي "يا رب" بلا كلمة أخرى فنستريح ونطمئن.


وختامًا أقول:

" اللهَ" تُخرجُ ما في النفسِ من حَزَنٍ ..
" اللهَ" تُصبحُ عندِ اليأسِ أقماري
إن كنتُ في فرَحٍ أمشي بمعصيةٍ..
ما كانَ ينفعني في السيرِ إبصاري
هل يدركُ البرَّ من في البحرِ مُغتربٌ ..
من دونِ بوصلةٍ أو سُفْنِ إبحارِ؟!
فاجعلْ إلهي فؤادي أنتَ غايتَهُ ..
حتى يفرَّ من الأهوالِ بالنارِ
حتى يراكَ وهلْ في الكونِ من طلبٍ ..
أشهى إلى النفسِ منْ لقياكَ في الدارِ !

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة