عمار مطاوع
عمار مطاوع
481

موات القلب

13/8/2017

في إحدى حلقاته التي صورها في مستشفى أطفال مصر بمنطقة "أبو الريش" في نهاية التسعينيات، وقف المذيع المصري الشهير، طارق علام، على سرير طفل صغير للغاية يتلقي العلاج، وسأله:

 

-بتشتكي من إيه؟

-قلبي واجعني.

-ماله قلبك؟ بتحس بإيه؟

-بيدق.. قلبي بيدق!

 

كنتُ يومئذ في منتصف الابتدائية، إجابة الطفل أثارت في ذهني أسئلة ظلتْ تلازمني أياما.. كيف يمكن أن تكون دقات قلب المرء مرضا؟ هل نحن أصحاء لأن قلوبنا لا تدق؟ وما علاج هكذا حالة؟ وكيف سيمنع الأطباء دقات قلبه كي يعود صحيحا بلا قلب يدق.. مثلنا؟ انقضت صلاحية أسئلتي حين عرفتُ، يوما، أن مرض خفقان القلب السريع يبدو أمرا حقيقيا، كان الطفل مريضا فعلا.. لكنّ تلك الإجابة لم تكن كافية لاقتلاع جذور تلك الأسئلة وتبعاتها من دواخل النفس.

 

أحداث الحياة سرعان ما أعادت أسئلة الأمس من جديد، وإن حملتْ هذه المرة بُعدا فلسفيا أعمق، بحجم مصائبها الكبيرة، وعُمر صاحبها الكبير، وقدر جيله المسكين. قدرُ جيلنا أن يعاصر زمن الميديا، فيجد نفسه حاضرا في كل أحداث الهزائم والخسائر والمصائب والاعتقالات والتعذيب والإخفاء، وقت وقوعها، لحظة بلحظة.

بدا لي اليوم أن الأصحاء هم موتى الشعور، وأن السعي لوقف دقات القلب تبدو وسيلة مثلى للعلاج، وللحياة.

مواقع التواصل

في هكذا حالة، يصبح الهروب من متابعة الأحداث أمرا مستحيلا، وصار تتابع النكبات يكسر القلب مرة فمرة، فيبهت الروح، ويقتل شغف الحياة. يصيبك مع الوقت يأس وقنوط، انكسار وخيبة أمل، مرض يهيمن على حياتك وأنت تراقب صور الدم وجثث القتل وضحايا المعارك في كوب قهوتك وصفحات كتابك وحائط غرفتك المستأجرة.

 

تجد عشرات الشباب مثلك، تائهين مفزوعين محاصرين بأخبار القتل والتعذيب.. وكل معاناتهم هي أنهم يمتلكون قلبا لا يزال يتفاعل بطبيعية مع الأحداث.. قلبا يدق! غير بعيد، يعيش شبان آخرون حياة "طبيعية" للغاية، هم لا يعرفون عن الأخبار سوى ما يتناقله الناس في المواصلات أو تلتقطه أعينهم وآذانهم من صوت التلفاز والمذياع.. صفحاتهم على مواقع التواصل لا تزيد عن منشورات الأصدقاء وأهداف الليجا والمقاطع الكوميدية الضاحكة.

 

لا يشعر هؤلاء أبدا بأية منغصات للحياة، ولا تفاعلية مع الأحداث، لا يولون الشأن العام أية أولوية.. حتى وإن حاصرتهم بأخبار الضحايا الأصدقاء أو الحوادث الذائعة، تجدهم يجيبونك ببلاهة صادقة: ربنا معاهم، ربنا يتولاهم!

 

اليوم عرفتُ كيف كان الطفل مريضا حقا لأن قلبه يدق، وأن الهروب من دقات القلب أول رحلة العلاج، وأننا -بين الحين والحين- نحتاج أن نقتل مشاعر الحس ونبضات التفاعل كي نعود أصحاء من جديد

يبدو هؤلاء موتى القلب جدا، لكنهم في الوقت ذاته يعيشون حياة طبيعية، ينجحون في جامعاتهم ويستمرون في زيجاتهم، يسافرون ويعملون ويعودون لزيارة أهلهم في موعدهم كل عام.. بينما المنشغلون بالأحداث تبدو حياتهم باهتة مثقلة بالهموم والمتاعب.. تُرى أيُّ الفريقين صاحب المرض وأيُّهم السليم؟ ألا يبدو لك ذلك السؤال -هو هو- السؤال نفسه الذي سأله الطفل قبل سنوات؟ المفاجأة، أنّ معسكر المنشغلين بالأحداث يستسلم مع الوقت، وينحاز إلى جوار الفارغين.. تجد بين الحين والحين من يكتب منشورا يستجدي فيه هدنة، أو يطلب ساعة راحة من مصائب الحصار.

 

ينصحني صديق وصديق أن أبتعد عن متابعة الأخبار بعض الوقت، أو أن أعتكف عن منصات التواصل حينا، يقول إن ذلك أمر مهم للغاية كي تستعيد الروح عافيتها، ويعود صاحبها سليما معافى.

 

لا أجد اليوم فرقا كبيرا بين ما حكاه الطفل المريض حين أخبر أنه مريض بدقات قلبه، وبين ما ثار في ذهني يومها من تساؤلات حائرات.. نعم، بدا لي اليوم أن الأصحاء هم موتى الشعور، وأن السعي لوقف دقات القلب تبدو وسيلة مثلى للعلاج، وللحياة.

 

اليوم عرفتُ إجابة أسئلة الطفولة.. عرفتُ كيف كان الطفل مريضا حقا لأن قلبه يدق، وأن الهروب من دقات القلب أول رحلة العلاج، وأننا -بين الحين والحين- نحتاج أن نقتل مشاعر الحس ونبضات التفاعل كي نعود أصحاء من جديد. اليوم عرفتُ أن هذا الطفل كان أصدق تعبيرا وأبلغ إبانة، وأن خاطرا عظيما أجرى الحق على لسانه، وأن قوة خفية ألهمته مبكرا أن دقات القلب الحي في زماننا مرض، وموته صحة وعافية!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة