والد أم سجان؟

13/8/2017
خط رفيع يفصل بين العبقرية والجنون، خط إن تجاوزناه لن نستطيع العودة إلى ما قبله، ولن نعودَ قادرين على النظرِ إلى أنفُسنا بذات الطريقة السابقة ولن يعودَ الآخرين قادرينَ على فعل ذلك أيضاَ، وهذا الخط الرفيع الذي يفصل بين العبقرية والجنون هو ذاته الذي يفصل بين التطرف والانتماء وبينَ الحب الجميل والهوس القبيح، بين برِّ الوالدين والطاعة العمياء، هو الذي يفصل بينَ المنطق والمعقول وبينَ الخارج عن المألوف.
                                 
هذا الخط يتحول إلى سحابة ضبابية في أوطاننا لاختلاطه بالعادات والتقاليد والمفاهيم المغلوطة للدين، فيختلط الحابل بالنابل، ويصبح التطرف هو معنى الانتماء، ويصبح الهوَّس تعبيراً عن الحب، واتخاذ القرارات المخالفة للوالدين عقوقاً ونكراناً للجميل.
                   
هذا الخط الذي تحول إلى غيمة ضبابية غير معروفة المعالم يجعلُ من نقاش الابن لوالديه شكلاً من أشكال انعدام الأخلاق عوضاً عن كونه شكلاً من أشكال الحوار، يجعلُ من دفاع الابن عن آرائهِ وقناعاتهِ ومبادئهِ شكلاً من أشكال الخروج عن طاعة الوالدين عوضاً عن كونه احترماً للذات والعقل، ومن اختيار التخصص الجامعي حسب رغبة الابن لا الأب شكلاً من أشكال العقوق عوضاً عن كونه شكلاً من أشكال تحديد المصير وملاحقة الأحلام.
لا أحد ينكر أنه واجهَ كلمة "لا" في فترة من حياته كرد على طموحاته وأحلامه، هذه الكلمة التي كانت دوماً تبدو بلا أي مبررات
                           
كما يحول الزوج الذي يطبق قولَ الرسول "خيركُم خيركُم لأهله، وأنا خيركُم لأهلي" إلى "خروف" عوضاً عن كونه متبعاً لسنة الرسول ومطبقاً لأحكام الدين. هذا الخط شوهَ العديد من المفاهيم المجتمعية وعملَ على تغيير النظرة المجتمعية والفردية إلى العديد من القضايا والمواقف التي لربما خرجت بنتائج مغايرة تماماً عن نتائجها الحالية، لو أن هذا الخط كان بالفعل خطاً فاصلاً واضحَ المعالم عوضاً عن كونهِ غيمةً ضبابيةً غيرَ معروفة المعالم.  
                                

يخبرني العديد من أصدقائي كيفَ أن حياتهم كانت لتصبح أفضل لو أنَ آبائهم سمحوا لهم بالدراسةِ خارج البلاد، أو دراسة التخصص الذي أرادوه، أو العمل أو الانتساب للنوادي الرياضية والأعمال التطوعية أو غيرها من الأمور التي كانت لتترك أثراً كبيراً على مستقبلهم وعلى ذواتهم، يحزنني حقاً أن أرى تلك الانكسار الحزين في عيونهم لاعتقادهم التام والكامل بأنَهم أضاعوا فرصاً عظيمة كانت كفيلة بقلب كل موازين حياتهم. المصيبة الأكبر هي في الموروث الذي تلقيناه من الأهل ألا وهو كلمة "لا" كرد على كل الأمور التي تبدو خارجة عن المألوف وعن نمط الحياة الاعتيادي حتى أصبحت ذواتنا تقول "لا" لكل فرصة تطرق الأبواب، فندفعها بأنفسنا بعيداً عنا وكأنها شؤمٌ وبؤس.

                     
             
لا أحد ينكر أنه واجهَ كلمة "لا" في فترة من حياته كرد على طموحاته وأحلامه، هذه الكلمة التي كانت دوماً تبدو بلا أي مبررات، وفهمنا عندَما كبرنا قليلاً أنَها كانت مدفوعةً بغريزة الآباء لحماية الأبناء، وأحياناً أخرى كثيرة مدفوعة بالخوف من "كلام الناس". تحدثت ووالدَيَّ مرةً عن فكرة الدراسة أو العمل في خارج البلاد، هذه الفكرة التي كنت على قناعة تامة برفضهم إياها، وبالفعل واجهوها بالرفض في البداية، لكن عندَما تحدثنا أكثر عن أثرها على حياتي ومستقبلي وعن كونها قد تشكل انعطافه كبيرة في مسيرتي بدأوا بتقبل الأمر، لا أدري إن كنا_ أنا ووالدي_ قد وصلنا لمرحلة تخطي "الخوف من كلام الناس" أو مرحلة النضج الكافي الذي يدفعهم إلى ترك يدي لأسيرَ وحدي في حياتي.

                          

أخبرني أحدهم مرةً بأنَ حياة العائلة تشبه كثيراً عش العصافير، في البداية تحتاج الفراخ لوالديها كثيراً، ولكن عندَما تكبر إن لم يسمحوا لهم بالطيران ومغادرة العش، فإن نهايتهم هي الموت المحتوم! وإن سجننا الأهل في العش العائلي ولم يتركونا نطير، فإن نهايتنا هي الموت "المعنوي" المحتوم.

              

لا تسجنوا أبنائكم في قضبان الرفض، وكونوا لهم آباء لا سجانين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة