نورس أبو صالح
نورس أبو صالح
819

(Dunkirk) والبصق في الوجوه

13/8/2017
هي ليست حالة نولان الاستثنائية، ولا الاحتفاء العام بالحالة التي يشكلها هذا المخرج، كلما خرج علينا بعباءة هوليوود ومن عباءة هوليود، ولا الطريقة الجديدة التي يضفيها علينا رغم التقنية المعروفة جدلاً لدى جمهور المتابعين والمهووسين بالتقنية، ولا موسيقى اللاموسيقى التي يصنعها هانز زيمر كلما اتكأ عليه كريستوفر، وكلما وضع الصورة بين يديه، بل هي حالة البصق في وجه السينما بتقليدها المعروف، وفِي وجه الجمهور، وفِي وجه جهابذة التحليل، أن أفيقوا فما هكذا تورد السينما أيها الصانعون المتصنّعون.


عندما يعزف هذا المخرج خارج سرب، أو يعزف عن البقاء في السرب العام، تتلقفه الأسراب تحليلاً ويجد فيه صاحب الخط التقليدي السينمائي، صخرة تسلق جديدة، فيُشبعنا تفسيرات ومقارنات، ويلقي علينا من علوم التقنية وذكاء الالتقاط، ما جادت به موسوعات الكتب والإنترنت، ويغفل الحس الأساسي الذي قصد أو لم يقصد نولان بثه في دواخلنا، حس الخروج عن كل نمط، حتى لو عرفت التقنيات، وأصبح فيلمه ضمن باقي التحليلات والانتقادات، إنها حالة التفرد في القطيع، وإن كان سينمائيا.



هل تظنون أن كريستوفر درس تقنية (Imax) قبل دخول الفيلم، أم أنه سخر التكنولوجيا لأجل ذلك؟ هل تظنونه اتبع قواعد القصة في قول ما يريد، أم تدفق قصة، أنجبت فيلماً لا مثيل له؟ هل تظنونه سرد الحياة كما يجب أن تكون، أم سرد ذاته كما يجب أن تكون تجاه (Dunkirk) فصارت فيلما؟ هذه أسئلة لا تحتاج إلى إجابات بقدر ما تحتاج أن تُسأل، وهذا الذي يتجنبه آلهة التحليل وعتاة المنطق السينمائي.


إن محاولات تقعيد، " أي وضع قواعد أساسية" لأعمال مثل أعمال نولان، لا تخرج عن سياقين، أولهما: التفاخر المهزوم بقدرة المحلل على احتواء فيلم لنولان، والثاني، الإيهام الكاذب، بأن تحقيق التقنية، والاطلاع الكافي قادران على إنتاج ما يوازي هذه الأفلام. ويغفل ملك التقعيد، أنه لا المصطلحات السينمائية، ولا التحليل المتوقع، قادر على بناء ذات منطلقة متدفقة، تدلق نفسها فيلماً ومشاهد، فتتقاطع القصص المتوازية في الحياة، دون فصل وإن بدا ظاهراً في الفيلم لأهل الظاهر، باطناً لدى أهل الباطن. وتنساب الحكاية دون فجاجة وتدخل، ويستطيع المُشاهد بكل بساطة عد سطور الحوار، لكن كم منا يستطيع أن يسكب هذا الحوار في الفيلم كما هو؟

لم يُجِد نولان الكثير من المقالات والتحليل، بقدر ما أجاد المشهد والصورة والثورة، هو يُؤْمِن بالحلم كما يقول في إحدى مقولاته المشهورة.

مواقع التواصل


وللجمهور العظيم، والذي لا يجب أن لا ننظر له نظرة الدون كلما ملّ أحدهم من متابعة الفيلم أو ضجرت ذاته، فالفيلم كالإيمان، تجربة خاصة، تحترم، ولا تعمم، وإن أصر دعاة التقعيد والتعميم السينمائي على ذلك، أقول له؛ لن يستطيع نولان الكاتب والمخرج أن يلامس كل شيء في نفوسنا ولا كل النفوس، وإنما هي مساحات تتنوع، وأرواح تتآلف وتتخالف، فأنت لم تخرق نظام الكون، إن انسحبت مع أول المشاهد، أو تسمرت بعد شارة فيلم النهاية، وإياك أن تكون عبداً لموضة الفيلم الخارق، وموضوع الساحة، وحديث النخبة او المُتَنَخِّبة.


وأما نولان، فهو لم يُجِد الكثير من المقالات والتحليل، بقدر ما أجاد المشهد والصورة والثورة، هو يُؤْمِن بالحلم كما يقول في إحدى مقولاته المشهورة،" بأنه ما زال مشدوهاً بفكرة الحلم، وكيف لعقلنا ونحن نيام القدرة على صنع عالم نتلقاه كواقعٍ حقيقي"، وهو الذي لم يكتف بممارسة الحلم ولا تحليله، بل بناه واقعاً مشهدياً مرئياً أمامنا على الشاشة، هو في النهاية عرف كيف يمارس هذا الشيء في كل مرة، وسيعرف، نعم سيعرف كيف يبصق في الوجوه، وتكتفي الوجوه بالتحليل، وتلقي ضربات النازيين في (Dunkirk) . 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة