هنادي نصر الله
هنادي نصر الله
713

رسالة عريس

3/8/2017

تحضنها النسوة، ويُمسكن بها من اليمين والشمال، يتقدمنَ بها إليه؛ لتُقبله، ولتهمسَ في أذنه كلامًا أخيرًا؛ فيسمعها، ويودُ لو ينهض من نومه ليطمئنها بمنزلته التي لاقاها، بوعدِ الإله الحقِ الذي تَحَقَق فورَ ملاقاته، يودُ لو يقولُ لها "ليتكِ تلحقينَ بي؛ لنتقاسم نعيم الفردوس الأعلى سويًا يا أماه، فهذه الدنيا لا تليقُ بقلبكِ الحنون، ولا تليقُ بابنك الثائر، الكافرِ بنهج "أوسلو" والتفاوض، ذلك النهج الذي خذَلنا وأنزَلنا أسفل القاع".

كان بوده لو يقول لها: "تزيني لاستقبالِ المهنئات، لا المعزيات، ابنكِ عريس، ما أجملَ الحوريات وهنّ يتسابقنَ لتكريمي وكلهن مأمورات بعدمِ إغضابي، كلهنّ منصاعات لأوامر الرحمن، وهل بعد لقائهن لقاء يا أماه؟ قولي لصبايا الأرض الفاتنات الرائعات ابنكِ لا يستهينُ بِكُنَ على الإطلاق؟ لكنه آثر النعيم الأبدي، وهو يُقدرُ كل المرابطات اللواتي اخترن الشهادة والاستبسال ونافسنَ الرجال، قولي لهن أنه لا فرق اليوم بين رجل وامرأة إلا بقوة الصمود والكبرياء، من يصمد أكثر هو الأجمل، والبادي في مشروع التحرير والماضي قُدمًا هو الأسعد والأوفر حظًا دومًا"!

حبيبة القلبِ يا أماه ومثلي لا يخذلُ أمه ولا يتجرأ أن يُغضبها، أُريد باستشهادي أن أرفعَ مقامكِ بين قريناتك في الدنيا، وأن أحجز لكِ تذكرة دخولٍ مجانيةٍ إلى الجنة

أماه يا أماه، رفقًا بي وأنتِ تبكين، فلا تُفسدي عليّ فرحتي بلقاء الحور، وغني لي كما لم تُغني من قبل "فتنتَ روحي يا شهيد" غنيها أمامَ كل وسائل الإعلام، وقولي للنسوةِ من حولك ومن أمامك ومن خلفكِ لا فرح يعلو على فرحِ أم الشهيد، المصابُ جلل طبعًا أكيد، لكن طعم الفراق يا أماه يُصبح لذيذا حينَ نتيقنُ أننا ذاهبون إلى أرض الخلود، ففي باطنِ الأرضِ أُعدَ الكثير للمتقين الذين اتقوا الله في أوطانهم ومقدساتهم، أُعدت أشياء ليستْ في الحسبان، في باطن الأرض "أي قبر الشهيد" ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، في باطنها نموذجٌ يسير مما سأراه في الجنةِ بعد يوم العرض والحساب، ألا يُفرحكِ يا أماه أن الشهيد مُعافى من عذاب القبر، وهل أجمل من عافيةِ العذاب يا أماه؟ نفرحُ في حياتنا الدنيا حينَ نحظى بإعفاءٍ من رسومٍ جامعيةٍ أو حتى حين يتغاضى بعضنا البعض عن مستحقاتٍ ماليةٍ في ذمتنا، فما بالك حين يتغاضى الإله عن ذنوبنا ويعفو عنا، ولا يُحاسبنا عما اقترفناه، هل بعد لقائنا إياه كصفحةٍ بيضاء لقاء؟!

أماه يا أماه.. قولوا لنتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي أنكِ بي تفتخرين حتى وإن أقدَمت قواتُه المدججة بكل ما أوتيت من حقدٍ وغطرسةٍ على هدمِ منزلنا، ذلك المنزل الذي يشهدُ على ذكرياتنا الحلوة والمرة، قولي بأعلى صوتك: "ربِ ابن لي عندك بيتًا في الجنة، ونجني من فراعين عصري أجمعين".

وحينَ تنتهين من مراسم العزاء، أرجوكِ يا أماه، توجهي إلى المرابطات، واتخذي من أسوارِ القدس وباب الأسباط مكانًا لك، وهزي بجذعِ الإيمان الخالد، يتراكمُ في قلبكِ نيرانَ غضبٍ على المحتلِ وأعوانه، واهتفي: "هنا باقون كأننا عشرون مستحيل، في اللد والرملة والجليل". فمعركتنا يا أماه ليستْ من أجل أن نُعيد القدس فقط، بل من أجل أن نُعيدَ فلسطين كل فلسطين، ألا تُحبين أن تزوري يافا وعكا وحيفا؟ ألا تجذبك بحيرة طبريا؟ حبيبة القلبِ يا أماه ومثلي لا يخذلُ أمه ولا يتجرأ أن يُغضبها، أُريد باستشهادي أن أرفعَ مقامكِ بين قريناتك في الدنيا، وأن أحجز لكِ تذكرة دخولٍ مجانيةٍ إلى الجنة، فالشهيد يشفعُ لسبعين من أهله، وأنتِ أولُ هؤلاء يا أماه.

ما خطته أناملي، هو حديث نفسِ كل عريسٍ في بلدي، يرتقي شهيدًا دفاعًا عن شرفِ الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم أجمعين

أما أولئك الذين يُريدون أن يُحرجوكِ ويُخرجوكِ عن عاطفتكِ وسليقتكِ وطبيعتكِ وأمومتكِ، أولئك الذين سيأتونَ إليكِ ليسألوكِ: "كيفَ تُرسلين ابنكِ إلى الموت؟ لتشويه صورتكِ، هؤلاء قولي لهم بنبرةِ تحدٍ: "إن موته حياة". لا تُبالي بأقوال المرتزقة من الإعلاميين المأجورين أو من علماء السلاطين الذين لم يقفوا معنا يا أماه ولو بأضعف الإيمان، أولئك الذين شوهوا صورتنا وقالوا عنا: "انتحاريين" وقالوا عنا ما ليس فينا من خصال، تجاهليهم يا أماه، وزغردي أمامهم بفخر، وتذكري أن إرضاء الناس كل الناس غاية لا تدرك، فاتركيهم كلهم وصوبي نظركِ حول خدمة الإله من بوابة حماية مقدساته فهذه غاية عظيمة لا تترك.

حبيبة القلبِ يا أماه. أبشركِ الآن لقد التقيتُ الحور، وغنتْ لي أغاني شرحتْ قلبي وصدري، لسانُ حالي وهي تُغني يقولُ لي: "أين كنتَ يا شهيد قبل هذا النعيم، لِمَ لَمْ تستعجل الرحيل من الدنيا وعذابها"؟! فوالله يا أماه لو تعلم البشرية كل ما ينتظر الشهيد من تكريم لما تركوا الأقصى والقدس وحيد؛ لهجر العربُ الغانيات الراقصات واتحَدُوا معنا ورددوا دون تردد: "إلى الجنةِ سويًا ونعم المصير"!

ما خطته أناملي، هو حديث نفسِ كل عريسٍ في بلدي، يرتقي شهيدًا دفاعًا عن شرفِ الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم أجمعين، ما كتبته هو وثيقة الشهداء من الاستشهاديين خاصة، وثيقة هي بمثابة وصية وميثاق، وحجة إلى يومِ الدين على كل المتقاعسين، فهل يغضبُ من لم يغضبوا بعد للمسجد الأقصى؟

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة