أومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟

5/8/2017

كان سيكون أقل مرارة لو ابتدأت الجواب عن السؤال الذي نطرحه مرارا على أنفسنا.. كيف ننصر الأقصى؟ ولا أقصد الأنظمة لكن الشعوب. وشفيت نفسي بجواب يكاد يكون مفتاح النصر ..بالدعاء، ولكن أعود لأعاتب نفسي كيف يتقبل الله منا الدعاء، ونحن لم نقدم الأسباب بل يخاف بعضنا في كثير من الأحيان أن يجاهر بالعداء لإسرائيل رغم ما يراه، والدعاء كان سيكون مستجابا لو أيْقنا يقينا بالدين واستجبنا لله وائتمرتا بما جاءت به تعاليم هذا الدين الحنيف، فيكون النصر مكافأة لأعمالنا الخيّرة وإتباع منهج الحق، ففلسطين مقياس صلاح الأمة فإن كانت في يد المسلمين كُنّا على الطريق المستقيم وعلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم وإن كانت في يّد غيرنا دّل على ابتعادنا عن الدين، والتاريخ يثبت ذلك عبر ماضي وحاضر الأمّة الإسلامية.


لكن أتساءل مرة أخرى ألم يستجيب الله فعلا لدعائنا، ماذا لو واجهنا أنفسنا، ألم يهبنا الله المال بل أغدق علينا، أليس المسلمون من يملكون منابع النفط والغاز وكل وسائل النهوض فنحن لسنا بقليلي مال، ألم يهبنا الله من البنين والبنات وأدخل في دينه من البشر أفواجا، فلسنا قليلي عدد من هذا أرى أن دعاءنا قد أستجيب إلّا أن نقول كما قال اليهود لموسى عليه الصلاة والسلام "فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ". إذا فليس من قلة بل من كثرة وليس اليهود جبابرة بل ربما نحن أقزام.

ندرك تمام الإدراك أن رجوع فلسطين الى المسلمين لن يكون إلاّ بصلاحنا نحن وصلاح ديننا فالأولى بنا قبل نصرة القدس أن ننتصر لأنفسنا بإتباع ديننا

فلسطين، لم تكن مطروحة كأرض بديلة، ولم تكن أرض الميعاد لليهود المـُـرحلين من أوربا الشرقية الى أوربا الغربية وخاصة انجلترا والذين كان ساساتها في بداية القرن العشرين لا يحبون هذا الوافد إليهم ومقتنعين في أن تواجدهم غير مرغوب فيه، وضررهم وارد لا محالة فيه، وكان الحل في تقسيم تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية)، حيث ظهرت فلسطين كأرض يمكن للصهاينة إقامة دولتهم عليها بوعد بلفور المشؤوم، ويعتبر هذا التدبير ضرب عصفورين بحجر، زيادة امتداد التوسع الجغرافي البريطاني على حساب فرنسا في تقسيم تركة الدولة العثمانية وترحيل اليهود عن انجلترا.


هذا التذكير ما كان واجب الحديث عنه لكن فقط لنعرف مدى الهوان الذي نعيشه وما عايّشه أجدادنا عندما كانت الدولة العثمانية في سقوطها إلاّ أنهم حافظوا على الأقل على هيبة مقدساتهم ولم يكن ليتجرأ يهودي في ذاك الزمان الى القرب من حائط البراق. القدس حبيبة القلب والروح مبدأ كل شيء ومنتهاه، أرض المحشر والمنشر، دون حريتها لم يتحرر مسلم، هذا ما نقوله ونُشهد الله عليه اليوم، فماذا نفعل اليوم لنصرتها غير الدعاء؟


ندرك تمام الإدراك أن رجوع فلسطين الى المسلمين لن يكون إلاّ بصلاحنا نحن وصلاح ديننا فالأولى بنا قبل نصرة القدس أن ننتصر لأنفسنا بإتباع ديننا، وصلاحنا من صلاح أولي أمرنا فنحن نفوق المليار عددا لكننا مشتتين بين حكام تهرول لاستحباب إسرائيل حُبًا في مناصبهم وتركاتهم التي يخافون عليها من الزوال ولا يهمهم إن زالت كل شعوبهم وليس مقدساتهم فقط، أنظمة انبطاحيه تتهافت على استرضاء اليهود فكيف لها أن تعاديهم.


لكن هذا لا ينفي أن هناك العديد من الواجبات علينا كمسلمين أن نفعلها مناصرة للأقصى ولفلسطين عامة، ونعلم أننا قبل أن نفكر في نصرة القدس بالنفس أو المال أننا نخاصم بني جلدتنا قبل الصهاينة ومن يتبعهم فبمجرد ما نضع أول دينار لمؤازرة القضية الفلسطينية، سنكون قد كوّنا خلية إرهابية معادية للسامية وسنكون أعداء للأنظمة العربية السائرة ليس في طريق التطبيع ولكن في طريق الاستهواد فهم أغلب الظن يأتمرون بأوامرهم، فلم نرى منهم شيء يدُّل على أنهم مسلمون يغارون على مقدساتهم لكن حزمهم سيكون ظاهرا جلياً لو تعلق الأمر بمعاداة بني جلدتهم أو دولة من حزبهم.

كمواطنين وجب علينا على الأقل أن نتصف ببعض الأنَّفة فمن واجبنا مقاطعة سلع الدول التي تساند إسرائيل على الأقل التي يمكن الاستغناء عنها من الكماليات فنحن لا ننتج شيئا حتى نرتئي أن نقاطع كل شيء

لم نرى غير ما نادت به الجامعة العربية الذي لن يكون لها أي أثر غير تثبيط عزيمة المقدسيين المرابطين في سبيل شرف هذه الأمة فالجامعة العربية مجردة من أي شيء حتى الحق أخرسها الله عنه والعرب يُبادون هنا وهناك ولا تحرك ساكنا وإن ولدت ستلّد مسخا آخر يضاف إلى قهر الشعوب العربية وانهزاماتها، ربما ستندد كعادتها وفي لغة السياسة تنديد العرب كوعيد لن يكون.  سواء نادى أمينها أن القدس خط أحمر وكأنه يذكر إسرائيل بمنع السباحة، نسي أننا نتكلم عن أول القبلتين ومهبط الأنبياء وغيرها. وكأن فلسطين مصيف لإسرائيل على شاطئ المتوسط ففيها من الخطوط الحمراء والبرتقالية وأغلبها خضراء مستباحة.


لكننا كمواطنين وجب علينا على الأقل أن نتصف ببعض الأنَّفة فمن واجبنا مقاطعة سلع الدول التي تساند إسرائيل على الأقل التي يمكن الاستغناء عنها من الكماليات فنحن لا ننتج شيئا حتى نرتئي أن نقاطع كل شيء، كما وجب علينا التأكيد وإعادة التأكيد على حقنا في القدس عبر كل الوسائل التي في متناولنا، تلقين أولادنا تاريخ القدس الحقيقي الذي تريد اليهود طمسه عبر تهويده بادعاءات لا وجود لها تاريخيا، يجب على كتابنا وكل من له يد من أدباء وسينمائيين في حفظ تاريخ الأمة وبشتى الوسائل المباحة والمشاركة في ترسيخ هذا الحق وإعطائه البعد الحقيقي الذي يتماشى مع جسامة الخسارة وليس التقليل من القضية وتقزيمها كما يريد اليهود، بل يجب علينا التذكير دوما بأن حرمتنا من حرمة مقدساتنا.


الواقع المر هو الجواب الأمر للسؤال الجوهري كيف ننصر القدس؟ إننا نعيش ما أخبرنا به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام من عشرات القرون فكل يوم نتذكر حديثه "يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: أومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت". ألم يحن الأوان أن تستفيق؟ على الأقل نتخبط كما تتخبط الفريسة في يد مفترسها علّ الفرج يكون قريب أو في غفلة منه نتحرر من هذا الهوان.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة