سنرجع يوماً إلى حمصنا

5/8/2017

لا شك أنّ الإنسان صاحب الفطرة السليمة يحبّ المكان الذي ولد فيه، والأرض التي نشأ وترعرع فيها، واستنشق هواءها، وأكل من خيرها، وشرب من مائها، وعاش مع ناسها، وتقاسم معهم الحلو والمرّ والعسر واليسر، هذا أمر من الفطرة التي خلق الله البشر عليها، يقول المتنبي: "أحبّ حمص إلى خناصرة.. وكلّ نفس تهوى محياها". هذا أمر يسري من قلوب الآباء والأمهات إلى الذريّة والأولاد، يتغلغل هذا الحبّ في القلوب ويأخذ بها، ولو كان الوطن قفراً أو بادية أو جبلاً.


ومن أقسى ما يمكن أن يتعرّض له المرء في حياته أن يفارق وطنه مكرهاً، وخصوصاً إذا تعلّق الأمر بعدو غاصب، أو طاغية ظالم، ولقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكّة: أما والله إنّي لأخرج منك، وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ، وأكرمه على الله، ولولا أنّ أهلك أخرجوني ما خرجت. (صحيح أخرجه الترمذي).


خرجنا من بيوتنا في حمص منتصف ليلة الأربعاء، ليلة الخامس عشر من آذار من عام اثني عشر وألفين على عجل، جمعنا بعض الحاجيات الخفيفة، وتركنا بيوتنا كما هي، بما فيها من أثاث ومتاع جمعناه عبر حياتنا شيئاً فوق شيء، وبما فيها من طعام ومؤنة، وكنّا نظن أننا سنرجع بعد بضعة أيام، صلينا آخر عشاء في مسجد البرّ، حيث لم يبق إلا بضعة نفر، خرجنا سيراً على الأقدام نتحسس طريقنا نحتمي بالجدران والأشجار في ظلام دامس حيث لا كهرباء، وضوء القمر ضاع خلف غيوم آذار.

مدينتنا رائحة تراب يعانق مطر الشتاء عند لقاء جديد، عاصي حنان في قلب أمّ لأول وليد، فرحة محروم بأمل جديد

وها قد مضى على شتاتنا حوالي ست سنين، ارتحلنا فيها من مكان إلى مكان، وطوتنا الدروب والطرقات، ننام ونصحى على أمل العودة، أحلامنا ذكريات وذكرياتنا أحلام، تكاد قلوبنا تنفطر شوقاً لحيّنا المحتل من عصابات الأسد، نَحُنّ إلى مسجد حيّنا، إلى أشجار حيّنا، إلى دكاكين حيّنا، إلى وجوه أهلّ حيّنا، إلى البشاشة الصادقة، والابتسامة الصافية، والبساطة الفطريّة، نَحُنّ إلى أفراحهم إلى خصوماتهم، نَحُنّ إلى تراب حيّنا وحجارته.


لو تعلمون أيها السادة - حفظ الله لكم أوطانكم وعشتم فيها آمنين- خبايا المدينة التي نَحُنّ إليها، المدينة التي قال عنها ولدها الضائع بعيداً عنها، التائه في غربته عبد الباسط الصوفي:

مدينتي، لا تملكُ الذَّرّهْ مدينتي، طيّبةٌ، حرَّهْ
لا تصلب الإنسانَ في آلةٍ أو تمضغُ الأحقادَ في فِكْره
مدينتي، نبضاتُ قيثارةٍ حيناً، وحيناً ضحكةٌ ثرَّه
قديمةٌ، كالحبِّ، ميلادُها لما صحا درب الهوى مَرَّه


لو تعلمون أيها السادة خبايا المدينة التي نَحُنّ إليها، مدينتنا قلوب كبيرة تتزاحم فيها الحكايات الغريبة، تنبت في ربوعها التفاصيل الصغيرة، وفي شقوق جدرانها الرؤى الشاردة، فتثمر أحلام يقظة ملفوفة بوجع اللحظة، وأنين الذكريات الصامتة. مدينتنا نشوة الأحاديث الدافئة في برد كانون. همهمة تسبيح عند ترجيع صوت أذان. غصة الأحرف المهملة من دعاء الأمهات.

مدينتنا طرائف مولودة من رحم الأربعاء، تفترّ عن دمعة لها جناحا ضحكة ترن ملء الفضاء، تروّح القلوب، تتجاوز حدود الزمان والمكان، تزيل العناء، تصارع الأنواء. مدينتنا تنام ملء جفونها، تبكي وتضحك كلّها، قلبها وعيونها وأظفارها، تصوغ النكات خيام فرح لدموع البائسين. مدينتنا رائحة تراب يعانق مطر الشتاء عند لقاء جديد، عاصي حنان في قلب أمّ لأول وليد، فرحة محروم بأمل جديد. مدينتنا تمطر غيومها رحيق محبة على بذور الوفاء، فيشمخ في الذرى صدى التكبير، ويفوع المسك ممزوجاً بدم الشهداء، ويملأ الدنيا بيادر من عطاء. مدينتنا مآذن شامخة تغازل السحاب، تعاند النجوم، تنير ظلمة الدروب، لا تنحني لعاتي الرياح.



مدينتنا تصدق كلّ من يقول، لكنّها تشمّ رائحة الأوغاد، ترى خبث نواياهم، وتسمع أحاديث نجواهم، تعرف غدر نظرات العيون.
مدينتنا نفوس طيبة تأنف العيش مع الطامحين إلى عزّ عبودية الدينار، الصاعدين إلى ذرى الحضيض. مدينتنا تكره السارقين من عيونها طهر الحياء، الجاثمين فوق آهات الثكالى واليتامى، الحاملين لواء تعكير الصفاء. مدينتنا أمانة أبي عبيدة وأمنية خالد وحبّ ثوبان وندم وحشي وعفة ابن عبد العزيز، امتزجت ذرات ترابها بأجداث الخالدين.

شباب مدينتنا بذلوا ربيع أعمارهم ليزهر ربيع أمتهم، منهم من ترك جامعته، ومنهم من ترك عمله، ومنهم من ترك عيشاً رغداً في ظلّ أسرته، ومنهم من ترك أرضاً تعشق يديه، ومنهم من ترك عيادته. أجلّوا الحديث عن أحلامهم الصغيرة ليولد حلم أمّتهم. شباب كرام النّفوس، يأبون الذل والهوان، جباههم لا تنحني إلا لخالقها، همهم تتجاوز السحاب، حميّتهم لأهلهم وأعراضهم عالية شامخة بشموخ وعزّة إيمانهم، لا يقبلون الخنوع والصَغار، إحساسهم مرهف، يغلي دم عروقهم حين يعلمون بأذى يلحق بأهلهم وإخوانهم، ولا يطيب لهم عيش حتى يبذلوا مهجهم فداء لهم. غيّب الموت ألوفاً منهم، دارت عليهم رحاه، طوت جسومهم الأيام، ابتعدوا عن العيون، ولكنهم حفروا أسماءهم في سويداء القلوب وشماً خالداً تتناقله الأجيال، ويعزفه التاريخ لحن حياة عزيزة، يُسمع صداه في ذرا الجبال، ويسري عليلاً مع النسيم كلّ صباح.


أيّها السادة: جرّبت الغربة طوعاً سنين، عرفت آلامها، ذقت مرارتها، أسقمني الشوق لهواء مدينتي، وفاضت بحار الحنين حروفاً وكلمات، لكنّ أوجاعي هذه المرّة بطعم آخر، بطعم القهر والحرمان، بطعم الخوف من طول الشتات، بطعم الخوف أن تسرق مدينتي كما سرقت فلسطين، بطعم العجز والخذلان، فهل يا ترى سنعود إلى حمص؟! صوت في داخلي ينادي صباح مساء سنرجع يوماً إلى حمصنا. حفظ الله لكم أوطانكم وعشتم فيها آمنين، وأعادنا إلى وطننا سالمين.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة