أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
3.2 k

عثمان العصر

5/8/2017
المتآمرون يبقون أسرى المؤامرة، وإن عاشوا أحراراً، هي اللعنة التي تطاردهم، هي الوسم الخفي الذي يفضح سوءاتهم، واللطخة السوداء في صفحاتهم. ومهما كان قدر الخيط الذي ساهموا فيه بحياكة المؤامرة بسيطاً ورفيعاً، يستحيل الخيط حبلاً، والسنّارة مشنقة، فالعقاب يتورّم مع السنين ولا يذوب...

مثلاً لا يذكر التاريخ سيرة للغافقي بن حرب المصري، وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وحكيم بن جبلة البصري، ومالك بن حارث الأشتر، وعمير ابن ضابئ، سوى أنهم أشباح وأشباه على هامش الدم، ولا يرفع لهم ذكر في بطون الكتب غير أنهم قتلة الخليفة الراشد، وآخر ما شاهدته عيناه الكريمتان من أحداث امتدّت أكثر من ثمانين عاماً من هجرة وفتح وتحكيم ودولة تقرع حوافر خيولها أرض الدنيا قبل أن تغلقان على بُردى الشهادة..

تقول الرواية أنه عندما دخل بعض القتلة المذكورين أعلاه إلى بيت سيدنا عثمان بن عفّان وأحرقوا باب البيت والسقف، ظل الخليفة خاشعاً في صلاته لا يقطعها هلع ولا يريبه احتكاك السيف ببطن الغمد وهو يستلّ سريعاً، قال لثّلة من الصحابة الذين انبروا للدفاع عنه: "الله الله.. أنتم في حلّ من نصرتي"، فمنع كل من حوله في الدفاع عنه لحرصه على ألا يراق دم مسلم بسببه.. ضمّ المصحف الشريف بين يديه قبّله وبدأ يتلو منه بإيمان الواثق.. دخل أحدهم ليقتله.. رفع عثمان نظره إليه فخاطبه بأربع كلمات: بيني وبينك كتاب الله.. أرعبته الكلمة قليلاً فتراجع، ثم عاد الآخر، فضربه بالسيف دون رأفة أو احترام للموقف فاستقرّت أول قطرة من دم عثمان الطاهر على كلمتي "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ" الآية 137 من سورة البقرة. (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)..

المتآمرون يبقون أسرى المؤامرة وإن عاشوا أحراراً، فالعقاب يتورّم مع السنين.. لذا كل من ساهم في "قتل العراق" عثمان العصر "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ".
وتقول الروايات أن كل الذين شاركوا في قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه، ماتوا قتلاً.. ليس منهم من مات موتاً طبيعياً بسبب مرض أو كهولة، حتى إن أحد الذين شاركوا بالقتل يدعى عمير ابن ضابئ كان مسجونا يوم مقتل سيّدنا عثمان، ففتح القتلة عليه سجنه وأخرحوه، أول فعل قام به أن قفز فوق صدر الخليفة المتوفى للتو ووطئه برجله فكسر ضلعين في جوفه.. ولأن العقاب لا يستثني أيا من المتآمرين، تقول كتب التاريخ أن عُمير هذا عاش في الكوفة ما تبقى من عمره، وقد عمّر طويلاً فأدرك الحجاج وهو كهل كبير فعرفه الحجّاج وتذكّر حادثة مقتل عثمان وبشاعة فعل الرجل وقلّة مروءته، فأمر بقتله وهو في التسعين من عمره..

التاريخ مثل طاحونة الماء الضخمة تدور بالسرعة نفسها، وتحمل في جرابها الحمولة، قد لا تحمل الحمولة نفسها، لكنها مساوية لها بالمقدار والمحتوى والمصير.. والأنين الذي يصدر من بين المسننات الصلبة هي أصوات الضحايا الذين تطحنهم حركة الأيام المستمرة والصراعات السياسية.. صعود، قمّة، نزول، قاع، فصعود، قمّة، نزول وقاع.. وبين كل دورة ودورة كثير من الأنين.

قلت إن المتآمرين يبقون أسرى المؤامرة وإن عاشوا أحراراً، فالعقاب يتورّم مع السنين.. لذا كل من ساهم في "قتل العراق" عثمان العصر، كلّ من كسر عليه بابه وأحرق سقفه وسعفه، وحام بالسيف حوله وهو محاصر يرتّل العروبة والصمود "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ"... كل من شارك في "قتل العراق" سيلقى المصير نفسه ولو بعد حين، هذا ليس تكهّن أو توقّع، لكنّه القانون الطبيعي في العقاب.. العراق الخليفة، والعراق الضحية، أول قطرة سقطت من شيخ العروبة استقرت شامة فوق الآية 137 في أطول سورة الكتاب وأعدل صور العقاب.. ولا عزاء لأحفاد ابن الضامئ الفرحين بنجاتهم.. فلكل زمان "حجّاج"!
العراق عثمان العصر.. فراقبوا سقوط القتلة!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة