أميرة حسن دسوقي
أميرة حسن دسوقي
1 k

الثعبان.. الأقوى في مملكة الحيوان.. وحامي الملوك

7/8/2017
أتذكر اليوم الذي جذبت فيه الثعابين انتباهي للمرة الأولى، كنت صغيرة جدًا وأشاهد مع أبي برنامجه المفضل «عالم الحيوان» والذي كان يذاع على شاشة التلفزيون المصري كل جمعة، كان البرنامج يعرض مغامرة طريفة وقصيرة بين فيل وثعبان، للوهلة الأولى كطفلة تتابع هذا النوع من البرامج، كانت المشادة الجسدية بين الفيل والثعبان محسومة في ذهني: «بالطبع سيتغلب الفيل على الثعبان.. فهو أكبر حجمًا» وتابعت المشاهدة وأنا أنتظر النتيجة، لأكتشف أن الثعبان سيلقني درسًا جديدًا مهما في الحياة.

وقف الثعبان نصف وقفة بالجزء العلوي من جسده، وتحولت رأسه إلى وجه مسطح، وبخ سمه على أقدام الفيلم، مرة وراء مرة حتى تراجع الفيل من أمام الثعبان المنتصب في تحدي دون أن يتحرك من مكانه خطوة واحدة للوراء، ثم انسحب الفيل من المعركة، وحين اندهشت من نتيجة هذا الصراع الذي كان محسوما في ذهني لصالح الفيل، أخبرني أبي أن السم الذي بخه الثعبان يمكن له أن يتوغل من مسام الفيل ويقتله، وهذا ما أدركه الفيل ولذلك انسحب من الصراع، معلنًا استسلامه أمام هذا الكائن الصغير الذي لا يملك حتى أطرافا خارجية عن جسده.

 

الثعبان لا يبدأ بالهجوم أبدا، فالبشر هم الذين يذهبون إلى منازل الثعباين وفراشهم ويقلقون راحتهم من أجل أفلام وثائقية ينتظرها أمثالي بلهفة

منذ هذا اليوم أدركت أن الثعبان له مكانه خاصة في مملكة الحيوان، وتأكدت أكثر حين بدأ اهتمامي بالحضارة المصرية القديمة، وعلمت مدى أهمية وقدسية الثعبان في تلك الحضارة، وجدته مرسوما على تيجان الملوك من أجل حمايتهم، ووجدته متجسد في صورة «عيباب» أو طاقة الفوضى، وهذا أربكني، فهل الثعبان كائن صالح يعمل على حماية الملوك؟، أم هو كائن طالح ينشر الفوضى في الأرض؟، حتى أدركت مفهوم مصر القديمة عن الفوضى، وحتيمة وجودها من أجل انتشار النظام، وأن النظام ينبع من الفوضى، وأن الفوضى مجرد سلم للنظام كما قال أحد أبناء ستارك في مسلسل صراع العروش، ولذلك كان الثعبان - هذا الكائن المهيب- هو الحماية في مصر القديمة، وسبب ظهور النظام، هو الأمان، وهو الشر الذي لابد من وجوده في حياتنا، إن صح وصفه بكلمة «شر».

 

وبعد أن وقعت في غرام الثعابين بشكل كامل، تابعت كل الأفلام التي تدور حول مراقبتهم أو حتى الأفلام السينمائية الخيالية مثل فيلم أناكوندا الشهير، وكنت دائمًا أسأل نفسي «لماذا تلدغ الثعابين البشر؟» وجاوب على سؤالي العديد من الأفلام الوثائقية التي كانت تدور حول رصد طبيعة الحياة لأكثر الثعابين خطورة في العالم، بالطبع كان للمستكشف الأسترالي ستيف أروين دور كبير في هذه الأفلام.

 

ما لاحظته أن الثعبان لا يبدأ بالهجوم أبدا، ورأيت مصوريين الأفلام وهم يمسكون بالثعبان ويضايقونه ويرفعوه ليضعوه أمام الكاميرا دون أن يصدر من الثعبان أي رد فعل، في هذا الوقت فقط أدركت أن الثعبان لا يبدأ بالهجوم، وتلك الصورة التي صدرتها السينما والأعمال الدرامية عن كون الثعابين كائن شرير وخبيث يأتي إليك في فراشك ليلدغك، ليس له أي صلة بالواقع، فالبشر هم الذين يذهبون إلى منازل الثعباين وفراشهم ويقلقون راحتهم من أجل أفلام وثائقية ينتظرها أمثالي بلهفة.


الثعبان كائن لا يبدأ بالشر أبدا، ولكنك إذا عبثت معه سيكون مصيرك هو الندم (رويترز)


تأكدت من وجهة نظري من براءة الثعابين حين قام أحد أصدقائي بتربية ثعبان لفترة في منزله، وحين أخبرني صديق آخر اضطر للعمل في الصحراء لفترة طويلة، أنه كان يستيقظ أحيانًا من النوم ليجد بجواره ثعابين تلهو وتمرح دون أن تؤذيه أثناء نومه طالما لم يتعرض لها بالسوء.

ولهذا السبب زاد حبي للثعابين عندما أدركت أن هذا الكائن من أقوى الكائنات في مملكة الحيوان، وهو لديه القدرة على قهر الأفيال والتماسيح وأي كائن آخر أكبر منه حجمًا، كائن يستطيع أن يغير جلده وهو أمر له رمزية روحية جليلة لكل شخص مهتم بالإنسلاخ عن عاداته السيئة وتغيير حياته للأفضل، هو كائن لا يبدأ بالشر أبدًا ولكنك إذا عبثت معه سيكون مصيرك هو الندم، هو كائن رائع لا أستطيع أن أتوقف عن حبه أو مهابته واحترامه.

 

النقطة الأخيرة الجديرة بالذكر، أن ستيف أروين الذي قام بتصوير حلقات عن أشرس وأخطر الثعابين في العالم، لم تمسه الثعابين بأي سوء، وكانت وفاته الأليمة على يد سمكة عندما قرر أن يقوم بتصوير إحدى الأفلام عن الأسماك الخطيرة في عالم البحار، وكان استقبال الأسماك له في منتهى القسوة، ومع أول رحلة إلى أعماق المياه قضت الأسماك على حياته، وهو أمر لم تفعله الثعابين الأخطر في العالم كله. 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة