براء نزار ريان
براء نزار ريان
543

رابطة كارهي قناة الجزيرة

7/8/2017
كانت ليلة ليلاء، من ليالي حرب غزة الأولى مطلع 2009، بتُّ لدى صديقٍ في حيّ الشيخ رضوان بغزة، صادف تلك الليلة تقدّمٌ للعدوّ من جهة البحر نحو المنطقة المحاذية لذلك الحيّ، رافق الاختراق قصفٌ بريّ وبحريّ وجويّ عنيف، كانت البناية ترتجُّ رجًّا مع كلّ صاروخٍ وقذيفة، بينما نتلهّى أنا وهو بالحديث وتقليب قنوات التلفزة والإذاعة.

كانت ميولُ القنوات الإخبارية العربيّة شديدة الوضوح وفق الخطوط التحريرية التي حكمت نشرات الأخبار، أكثرُ ما ضايقني وقتها مشهدٌ كانت تبثُّه فضائية "عربية" مشهورة، تُظهرُ الدبابات الصهيونية تلتهمُ رمال السوافي الخالية على الحُدود، وصوتُ المذيع يرافقها: الدبابات الإسرائيلية تتوغّل في قلب غزة! كان ذلك تضليلًا معلومًا بالنسبة إليّ، فالدبابات بعيدةٌ على الحدود، لكن الذي أحزنني وقتها أن تكون آمالُ بعض العرب معقودةً على جنازير الدبابات الصهيونية!

في اتّجاهٍ آخر، شهدتُّ تلك الليلة موقفًا إعلاميًّا مشرّفًا، انغرس عميقًا في وجداني، وأثّر كثيرًا فيّ، إذ بينما كان العدوّ يفتحُ فعليًّا ثغرةً جديدةً من جهة البحر، استضافت الجزيرة ناطقًا لفصيل غزّي بالغ التواضع، لم يكن أداءُ الناطق مرضيًا بحال، لكنّ أسئلة مذيعة الجزيرة كانت مؤثّرةً فعلًا، لقد كانت السيدة تتوسّلُ للناطق المسكين أن يطمئنها على استعدادات المقاومة، وتعثّر قوات الاحتلال، شعرتُ بالرضى حينها، وقلتُ: ثمة من يعقدُ آماله علينا أيضًا!

في حرب غزّة الأخيرة سنة 2014، تفوّقت الجزيرة على القنوات الفلسطينية في تغطية أخبار المقاومة الفلسطينية، والانحياز التامّ لها، أفردت لها أكبر وقتها، ورفعت شعار "غزة تقاوم" على مدار الساعة، وبثّت خطابات "أبو عبيدة" عن آخرها، فلا توقفُ البثّ حتى ينتهي من قراءة تاريخ اليوم بصيغتيه الهجرية والميلادية! بينما كانت قنواتٌ عربية أخرى تتجاهلُ الحرب الطاحنة في غزة حينًا، وتنحازُ للرواية الصهيونية أحيانًا أخرى، وبرزت فضائياتٌ من نوعٍ جديد، تنتسب للخطّ المقاوم، لكنها تمدحُ المقاومة الفلسطينية مرّةً، وتستضيفُ من أعدائها من يسلقها باللسان الحديد مرارًا! كانت الجزيرة وحدها من بين القنوات العربية قد تبنّت خطابًا مُنحازًا للإنسان الفلسطيني ومقاومته بلا حدّ ولا سقف!

لستُ بحاجةٍ لما سبق حتى أتضامن مع الجزيرة في وجه الإجراء الصهيونيّ الأخير، إذ يكفيني أنه إجراءٌ صهيونيّ حتى أكون ضدّه، لكنه تذكيرٌ بسابق ما قدّمت، ومحاولةٌ لفهم الحقد الصهيونيّ عليها، المسبوقٌ بالحقد الأميركيّ الذي عرفناه في لحن القول والقصف، الذي قتل طارق أيوب في مقرّ الجزيرة بالعراق زمن بوش الصغير!


أحببنا الجزيرة إذ كرهها هؤلاء، وأحببناها لأنها غيّرت منظومة الإعلام العربيّ بالكلية، فنحن من الجيل الذي يتذكّرُ قنواتنا العربية، حين كانت جهودها الإخباريّة لا تتعدّى أنشطة الملك/الرئيس/الزعيم وتحركاته إلا قليلًا، فإذا انقضت الأخبار، التي هي أخبارُ الزعيم أصلًا، عادت إلينا سيرتُه أغاني وأشعارًا تسبّحُ بحمده وتقدّس له! كانت هذه طبيعة الإعلام العربيّ المتلفز، حتى تلفزيون فلسطين كان مبدعًا جدًّا في هذا المجال، ويبدو أنه لايزال يحتفظُ بكثير من هذا الإبداع.
في المقرّ الرئيسي لـ "رابطة كارهي قناة الجزيرة"، أتخيّلُ بشّار الأسد يقف بالباب مرحّبًا؛ بابتسامته البلهاء، ولثغته الظريفة، وفي القاعة الرئيسية تجد صورةً كبيرة لجورج بوش الابن

لقد قلبت الجزيرة المُحتوى الإخباريّ العربيّ، وغيّرته مرّةً واحدةً وإلى الأبد كما يقولون، ولم يجد الإعلام العربيّ الرسميّ سبيلًا لمواجهتها إلا بمحاولة منافستها ومجاراتها، وأنى لهم وهيهات، غير
أنّهم حاولوا على الأٌقلّ، وقد كان ينبغي عليهم أن يشكروا الجزيرة إذ كانت سببًا في هذه المحاولة. كانت الجزيرة -ولم تزل- ثقيلةً على قلوب متنفذي الأنظمة العربية، وارتكبت أعظم الموبقات لديهم بالانحياز للمقاومة الفلسطينية والربيع العربيّ، لاسيّما في موقفها من مبارك، حبيب أنظمة الخليج، وحليفها القديم، واستكملت الجزيرةُ دائرة الأعداء بانحيازها للثورة السوريّة، فاجتمع عليها الكارهون من كل مذهبٍ ومشرب، من المطبّع السحّيج، حتى الممانع الشبّيح، رموها جميعًا عن قوسٍ واحدة، ولم يجدوا حرجًا في الاتحاد على كراهيتها وعداوتها.

كلّ ما مضى لا يعني بحالٍ رضاي عن كل ما تقدّمه الجزيرة بحجمها وسعة تغطيتها، وربما شاب مسيرتها أخطاءُ وخطايا، لعلّ أكثرها كان سكوتًا عن جرائر الذين يحاصرون قطر الآن من أجل إغلاقها، وانحيازًا لهم ومجاملة لم يكونا لائقين آنذاك، ولا نافعين حتى من ناحية براغماتية محضة، كما تبيّن بعد حين!

تكاثر على الجزيرة الكارهون، والساعون في إغلاقها وكتم صوتها، وقد علموا أن زمن الإغلاق والإسكات ولّى ولن يعود، وأنّهم بخطواتهم هذه لن يزيدوها إلا ألقًا وقوّة وثقةً في قلوب الأحرار والصادقين، لكنهم يجاملُ بعضهم بعضًا، باتخاذ المواقف الموحّدة، ولو في معاداة قناة فضائية! وبناءً عليه، كم يكون مناسبًا أن يؤسس هؤلاء جمعيّة ما، تكون تجمّعًا لكارهي الجزيرة!

في المقرّ الرئيسي لـ "رابطة كارهي قناة الجزيرة"، أتخيّلُ بشّار الأسد يقف بالباب مرحّبًا؛ بابتسامته البلهاء، ولثغته الظريفة، وفي القاعة الرئيسية تجد صورةً كبيرة لجورج بوش الابن، وفي الزاوية اليُسرى يقبعُ تمثالٌ لوزير خارجيّة عربيّ، يمارسُ هوايته الأثيرة في رمي "ميكروفون الجزيرة"، ثمة غرفة صغيرة في الجوار، مكتوبٌ أعلى بابها "التسجيل"، فيها مكتبٌ صغير، يجلسُ خلفه أميران شابّان، يلبسُ أحدهما شماغًا أحمر والآخر غُترة بيضاء، وأمامهما يقفُ "نتنياهو" بابتهاج، يسجّل اسمه كعضوٍ قديمٍ جديد! 

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة