أروى الطويل
أروى الطويل
785

"عاش يا وحش"

13/9/2017

في علم التسويق -نعم هو علم معتمِدٌ على علومٍ شتى، بَدءا من العلوم الاجتماعية والإحصاء و(neuroscience) والسيكولوجي وغيره- في هذا العلم يتم تدريس الطلاب كيف يمكنهم بناء هوية أو صورة ذاتية أو اجتماعية عن أي شيء (عن الأشخاص، أو الأفكار، أو المنتجات، أو حتى الحيوانات) أي شيء قابلٌ للتسويق، يمكنك أن تسوق لحائط وتجعل قلوب الناس تهفو إليه، ويصبح الأمل الأغلى والأعلى ومطمح لآلاف وملايين الناس.

 

الأمر لا يتوقف عند القيمة، ليست القيمة هي المهمة، بل الربح، ولو كان في هذه الدنيا شيء يمكننا أن نطلق عليه شر خالص، فهو التسويق بلا شك، تخيل أن بقدرتك أن توهم إنسانًا أن حياته ستنهار لو لم يحصل على المنتج الفلانِّي، أو أن أطفالهُ سينتهون لو لم يلتحقوا بالنشاط العلانِّي، أو أن قيمته الاجتماعية تتوقف على ارتدائه لهذه الساعة، أو البدلة أو القميص، وهكذا سيل من المنتجات، أو لأنماط الحياة التي تستهلك المنتجات، أو للأفكار التي تقود لاستهلاك المنتجات.

 

في التسويق، يتم العمل على العواطف أولًا ثم الأفكار، انظر لهذه الفتاة الرائعة، ممشوقة القوام جميلة المحيا، بهية الطلعة، هل ترغب فيها؟ هل ترغب في أن تعيش مثلها؟ حياة من السعادة الخالصة والشهد المصفى، نقائص الدنيا وآفاتها لا تظهر، لأنك يا عزيزي لن تراه.

 

لأننا في عالم السوشيال ميديا، وهو عالم قائم بالكامل على التسويق والترويج، هل لديك ١٠٠ ألف فلوورز؟ سندعوك إذن للكتابة معنا بمبلغ معين، ليس الهدف ما ستكتبه من الحكمة الخالصة بل الهدف الآلاف الذين يتابعونك

غيتي
 

هكذا "برادايم" - نموذج إدراكي - كامل يدور حول "كيف يمكن أن تكون السعادة"، تخيلها كحائط، كلُ أحجارِه من صورِ السعادةِ والبهاء، بلا حجرٍ واحد "للمرض، للحزن، للاكتئاب، للألم، للمعاناة والجهد للوصول للهدف"، كيف يمكن للحائط أن يكون رائعًا؟ ولكن انتظر فهذا الحائط سينهدم الآن عليك، على أحلامك ورأسك، لإنه مقتطع من سياقه، منفصلٌ عن واقعه، هل شعرت لوهلة بالغيرة من فلان؟ أو من علان؟ لإن رأسك - وهذا علمي تمامًا- قد شكلت صورة خيالية لأنموذج غير موجود، هذا الحائط كيف يكون حقيقيًا؟ هذه السعادة الخالصة بلا أثر للحزن أو المعاناة؟ دعني أخبرك بما هو بديهي - في الحقيقة لا تحتاجني لإخباره- هذا زيف كامل وكذب.

ولأننا في عالم السوشيال ميديا، وهو عالم - كما يظهر بالبديهة- قائم بالكامل على التسويق والترويج، هل لديك ١٠٠ ألف فلوورز؟ سندعوك إذن للكتابة معنا بمبلغ معين، ليس الهدف ما ستكتبه من الحكمة الخالصة - أنت لست حكيم وهذه ليست دار الحكماء - بل الهدف الآلاف الذين يتابعون، يصفقون أو يسبون أحيانًا - كلاهما مطلوب ومهم-. ولأننا أيضًا في عالم السوشيال الميديا فهناك اتجاهين، ولا يمكنك أن "تطرق الباب دون أن تسمع الجواب" والجواب هنا فوري وهادر ولا يمكنك تجنبه أو إيقافه، فهناك مسلكين، مسلك عفوي، ومسلك تسويقي. 

إن وحش المسلك التسويقي خطير جدًا، فهو "أنت"، ذاتك وتضخمها، إحساسك بنفسك، ما يجب أن تكونه ولكنك لم تصل إليه بعد، قلق ألا تصل، غربتك عن نفسك حتى تنفصل عنها وتراها تمضي ولا تستطيع أن تلحقها

في المسلك التسويقي، ستضع صورة مرتبة لنفسك بعناية، يمكنك أن تقول عن نفسك أي شيء، عالم ذرة رائع، أو مدرس متميز، أو طبيب حاذق، أو حتى زبال مبدع، لا يهم من أنت، بل يهم كيف تسوق "لمن أنت؟". في المسلك التسويقي يمكنك أن تقول أنك شديد الذوق والتهذيب والأدب، - حتى لو كنت من حثالة الناس والمجتمع- يمكنك أن تحظى على الاهتمام والاحترام، ستبذل المجهود اللازمَ، نعم! ولكن العائد سيكون عشرة أضعاف ما تدفع "في التسويق يكون حد النجاح الأدنى هو قدرتك على الحصول على عشرة أضعاف ما دفعت". ستبذل مجهودًا في الصورةِ المنمقة، التي ستلملم من حولها قشور اللب التي تفلتها على سريرك منذ قليل وتضعهم على جنب ريثما تنتهي، وستلتقط ألف صورة مقابل صورة واحدة صالحة، وبمساعدة مبتدئ في الفوتوشوب، مبروك، أنت نجم!

 

في المسلك التسويقي يجب أن تحرص على حذف و"بلوك" لأي شخص يشتم أو يسب أو يعترض أو يقول بعض الملحوظات، هذا الوغد هو (brand enemy) احرص على أن تكون صفحتك بيضاء من الانتقادات والتعليقات السلبية. جولاتك العائلية، لحظاتك الرومانسية، أطفالك الرائعين، كل هذا يجب أن يكون منمقًا ومخططًا بعناية، أنت أسطورة خارجة من كتاب تنمية بشرية حيث السعادة سهلة والنجاح يأتي بترديدك أمام المرآة "أنا ناجح وهم فشلة". هذا مسلك رائع - ماديًا- يدر الأموال والنجاح الصوري وستشتهر ولكن نلتقي عند "الوحش" في نهاية المقال.


على الجانب الآخر من النهر، وهو المسلك العفوي، حيث الإنسان بانفعالاته وواقعه، بحبه وكرهه، بفشله قبل نجاحه، بآلامه وفرحه، بالحقد والحسد والسلام النفسي والرضا، كل شيء وارد بلا تنميق ولا ترتيب، في المسلك العفوي لن تمتلك كاميرا احترافية، في المسلك العفوي ستعترف بالحيرة والبؤس، وستصرح عن مشاعرك وألمك وفرحك، وسيظهر العقل والاتزان، وسيظهر الجنون والهزيمة، ستكون نموذج بشري فريد، ستكون أصل الخلقة، مزيج خاص بك من كل شيء، وبالنسبة لي هذا أروع ما في الوجود أن تميز الوجود الفريد، الذي إن تأملته فهو يقودك لا ريب إلى التوحيد، فينا نفحة منه "هو"، ولكن كل منا نسيج كامل لا يطابقه آخر، في هذا جمال مُغرق، تحتاج أن تتأمله لتدركه.

 

ولكن هنا أيضًا وحش، في المسلك العفوي، هناك وحش المجتمع والناس والمتابعين والمترقبين، حيث أنت في خيالهم بعينهم، هل تكتب عن طفلك الضاحك؟ هل تسخر - ولو كانت سخريتك مؤلمة؟- إذن أضحكنا يا بهلوان، في كل مجلس وملتقى، ستتلقى أسئلة عن لماذا لا تضحك؟ لماذا لا تتحدث؟ لن تجيب لأنك لست ما في عقولهم، ولأنك غير ما في عيونهم.

 

في المسلك العفوي ستتشكل صورتك حسبما يكون الناس، المختلّ سيراك بعين غير العاقل، والهادئ غير العصبي، وهكذا لن تحظى بخيار "الحائط الذهبي" بل ستحظى بوحش العيون، سينقلب جسدك عيونًا وكل عين تراك بغير أختها، ستتفرق صورتك بين العيون ودمك بين القبائل وأنت تهتف "هذا ليس أنا!" لكن من يهزم الوحش؟

 

لكل شيء ثمن باهظ، والاختيارات الصغيرة تنادى أخواتها الأكبر ويقفون صفًا يطالبون بالدفع، وستدفع ثمن كل شيء، فاحرص أن تختار برفق، لتواجه الوحش

أما وحش المسلك التسويقي فهو خطير جدًا، الوحش "هو أنت"، ذاتك وتضخمها، إحساسك بنفسك، ما يجب أن تكونه ولكنك لم تصل إليه بعد، قلق ألا تصل، غربتك عن نفسك حتى تنفصل عنها وتراها تمضي ولا تستطيع أن تلحقها، لتتوقف فجأة في منتصف الطريق وقد أضحيت غريبًا عن روحك وقلبك، وفي نفس الوقت أنت لست قريبًا من الناس، فلا صحبة تفهمك ولا أصدقاء يدعموك، هل نسيت كل هذا خيالي، مصنوع، غير حقيقي، يكبر اسمك كثيرًا حتى يغطيك بظله، فيصبح الظل أكبر من الجسد، وهذا مسخ، يستدعي الغضب على نفسك، وقتها ستفتقد الرضا والسكينة والراحة.

 

هنا - ورغمًا عنك- ستفقد القدرة على التعلم، فالأنموذج لا ينبغي له أن يجلس في مقاعد التلامذة، كيف للأسطورة أن تتعلم من معلم؟ الأسطورة الرائعة لا تكون إلا علمًا، ومعلمًا. وحش المسلك التسويقي سيهاجم وعيك بتصرفاتك، هل تصرفت تصرفًا صحيحًا ولو هاجمتك الجماهير؟ هل تصرفت تصرفًا خاطئًا ولو صفق لك مليون شخص؟ أين الحقيقة؟ بلا وعي إنساني لن تجدها وإن فقدتها تفقد احترامك لنفسك - ولو أنكرت- تفقد أخلاق الفرسان والنبلاء.

 

لكل شيء ثمن باهظ، والاختيارات الصغيرة تنادى أخواتها الأكبر ويقفون صفًا يطالبون بالدفع، وستدفع ثمن كل شيء، فاحرص أن تختار برفق، لتواجه الوحش.. ماذا عني؟ أفضل أن أواجه وحش العيون الأخرى، أما نفسي فأسأل الله أن يكفيني إياها، فلا قِبل لي بها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة