خولة شنوف
خولة شنوف
3 k

مدينة الموتى.. بلا بسملة

13/9/2017

تشاءُ الأقدارُ أنْ تضعكَ في موقفٍ تختبرُ فيهِ صبركَ، وسِعَة بالك. وكأنَّكَ في امتحانٍ صعبٍ للاّمبالاة، عليكَ أن تتجاوزهُ وتقطعَ أشواطَهُ بِنَفَسٍ طويل. كَأنْ تستقلَّ مثلا سيارةً للأجرة، فيكتشفَ السّائقُ مِن لكنتكَ المختلفةِ، بأنّكَ غريبٌ عن المكان، فيبادركَ بالقولِ مباشرةً: "نحنا ناكلوا خبزة يابسة وما نخرجوش على بوتفليقة، الخروجُ على الحاكمِ حرام". تكتمُ غيظكَ، وتأخذُ نَفَسًا طويلًا، ثم تفكر بالعدِّ للعَشَرة على طريقة "أبي بدر" في "باب الحارة" عندما أوصتْهُ زوجتُه بالتحكم في غضبهِ قبل التهوّرِ الذي لا تُحمَدُ عُقباه. ثمَّ تدعو المولى ألاّ يطولَ بكَ الطريقُ كثيرا، كيْ لا يكونَ جوابكَ قاسيًا، تختارُ الصَّمتَ جوابًا وأنتَ تستمعُ إلى قصةِ حياتهِ على مَضَض وبألم. 


بماذا ستردُّ على رجلٍ جاوزَ الأربعين مِن عُمره، ولم يتزوّجْ بعد. لا يملكُ بيتًا، ويعيشُ مع عائلته التي ينفقُ عليها من عمله كسائقٍ للأجرة، ولكنّهُ ينتظرُ الدولةَ الجزائرية أن تَهَبهُ حقوقَه كأيّ مواطنٍ محسوبٍ عليها، وأن تمنحَهُ على الأقل، بيتًا حتّى يتسنّى لهُ الزواج بابنةِ الحلالِ المناسبة. ولكنْ هيهات! كيفَ لدولةٍ مهتمّةٍ بحذفِ البَسْملة مِن الكتب المدرسية أنْ تلفتَ لمثلِ هؤلاء. دولةٍ يقومُ دستورها على الإسلام، يؤرّقُها وجودُ "بسم الله الرحمن الرحيم" في كتبِ أبنائِها التي تتقدم خطواتٍ إلى الوراء، فتهرعُ وزيرةُ تربيتِها "نورية بن غبريط" إلى حذفِها وكأنّها بهذه الطريقةِ ستحمي بلادَها مِن الإرهابيين والدواعش. وستنتصرُ للعلمانية التي تبتعدُ عنها بأشواط. وهي لا تعلمُ أنَّ مثلَ هذه التصرفات، تُخرِج الدواعش مِن أوكارها، وتحوّلُ العلمانيَّ منَّا إلى سلفيّ. والسلفيَّ إلى متشدد.

أصبح لدينا دفترٌ مليءٌ بأسبابِ بكاءٍ وعويلٍ طويلة، وعلى كلّ جرحٍ غرسَهُ النظامُ فينا نضعُ لاصقًا ونمضي ومعَ كثرةِ الجروحِ المؤلمة فقدْنا القدرةَ على المشي

دولةٌ تعاني "شيزوفرينيا" قاتلة، فهي تحذفُ البسملة من جهة، ولكنها تتغنَّى ببناءِ أكبرِ مسجدٍ في إفريقيا، وتتباهى بأنّها تنفقُ عليه المليارات ليكونَ من أكبرِ المساجد في العالم. من جهةٍ أخرى. لا تريدُ أن تتقربَّ به إلى الله، بل تريدُ أن تُنافس بهِ أبراج آل خليفة، وآل ترامب. خطوةٌ جريئةٌ كهذه تقررها الوزيرةُ، وتنفذها الدولةُ الجزائرية، ماهيَ إلاَّ رسائلُ للشَّعب مفادُها اعترضُوا وافعلوا ما تشاؤون ونحنُ نفعل كذلكَ ما نشاء.


لِمَ لا، وبلدٌ بحجمِ الجزائر، أصبحَ مدينةً للموتى، يحكمُه رجلٌ مريضٌ فاقدٌ للوعيّ، حاشيتُه يرمونَ بالشَّعبِ في حفرةٍ مليئةٍ بأكياسِ الحليب المفقود، وبألوانٍ زاهيةٍ من "الكركرية" إلى "الأحمدية". ثمّ يُلقونَ عليهم حَفناتٍ من الشّك، ويقولونَ لهم: غادروا الحفرةَ إنِ استطعتُم، إنَّا ها هُنا قاعدون! وكأنهم يتبنّون ما قالهُ نعوم تشومسكي عن استراتيجيّة الحكام المُتبّعة لإلهاءِ الشُّعوب: "حافظوا على تحويل انتباه الرأي العام بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية وألهوهُ بمسائل تافهة لا أهمية لها. أبقُوا الجمهور مشغولا، مشغولا، مشغولا دون أن يكونَ لديه أيّ وقت للتفكير، فقط عليه العودةُ إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات الأخرى".


أيُّ يأسٍ هذا وأيّ خذلان ونحنُ نرى دولةً كالجزائر، يضحكُ على حاكمِها الميّت، العربُ والعَجم. ينامُ رئيسُها في سباتٍ عميقٍ، نومًا أشبهَ بنومِ أهل الكهف. إلاَّ أنَّه يختلفُ في الهيئةِ والغاية، ينامُ بهدوء، فتتولّى الأيدي الخفيّة تحريكَ البلاد بخيوطِ دُمى العرائس، البطلُ ملقًى على خشبةِ المسرح، والممثلونَ حولهُ يدعونَ له بالشّفاء، ويدسّون له السّم من تحتِ الوسادة. والجمهورُ، قسمٌ يبكي مكبَّلَ اليديْن، وقسمٌ آخر يصفّقُ وهو مكبّلُ اليديْن والعينيْن.


وهكذا يتحدّى وطني المَلل، ويفاجئنا كلَّ مرةٍ بما يجعلُنا نلعنُ ألفَ مرة بقاءَنا فيه. أصبح لدينا دفترٌ مليءٌ بأسبابِ بكاءٍ وعويلٍ طويلة، وعلى كلّ جرحٍ غرسَهُ النظامُ فينا نضعُ لاصقًا ونمضي ومعَ كثرةِ الجروحِ المؤلمة فقدْنا القدرةَ على المشي. وغَدَتْ ثقتُنا بهذا النظام، أشبهَ ببقعةِ زيتٍ على سطحِ ماء، كلّما زادتِ البقعةُ قلَّ أملنا في التغيير.

يطالبُ الشَّعبُ اليومَ بتطبيقِ المادة 102 والتي تقضي بعزلِ الرئيس إذا كانَ عاجزًا، غيرَ قادرٍ على تسييرِ شؤونِ البلاد. ولكنَّ الجوابَ يأتي كمَا كلّ مرة: "حاولوا مرة أخرى"! هذا بالفعلِ ما يضحكُ به سادتُنا علينا في كلّ مرةٍ يُشاهدونَ فيها خُدوشنا، ويسمعونَ فيهِ أنيننا، وها نحنُ نحاولُ مراتٍ ومرات، ونتلعثمُ بهم في كلّ مرةٍ نقولُ لهم فيها: "ارحلوا".

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة