عاصم النبيه
عاصم النبيه
730

البشر أغلى من الحجر

10/10/2016
ارتقى بالأمس الشهيد مصباح أبو صبيح بعدما أطلق النار على مجموعة من "الإسرائيليين" وبينما كانت دماء الشهيد مصباح ما زالت ساخنة قرب باب الأسباط في القدس، علّقت إحداهن "ليش عمل هيك؟ والله البشر أغلى من الحجر"

عندما نبذل أرواحنا للقدس فإننا نبذلها دفاعا عن هوية أمة كاملة، هوية أمة يُراد لها أن تزول إلى الأبد وأن تمحى من مكان عاشت فيه منذ عصور ما قبل التاريخ.
لطالما آمنتُ أن البشر أغلى من الحجر وأعتقد أن الله رفع قيمة الإنسان لدرجة لا تبلغها أي من المخلوقات حتى الأراضي المقدسة، لدرجة أن هدم الكعبة حجرا حجرا كان أهون على الله من سفك دم امرئ مسلم، وهذا الرأي ينطبق بشكل كامل على مدينة القدس وغيرها من المدن الفلسطينية التي بارك الله فيها وقدسها وقد اختارها النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابي عبد الله بن حوالة ليقطن فيها عندما قال له "خِر لي يا رسول الله" أي اختر لي مكانا أقيم فيه، وأنهى النبي كلامه بقوله "عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها حزبه من عباده"

سيفهم البعض من مقدمتي أنني ضد العمليات البطولية التي يقوم بها الشبان الفلسطينيون في القدس والأراضي المحتلة والحقيقة أنني أتمنى لو أنال هذا الشرف وحالي كحال معظم الفلسطينيين الذين يرون في الشهادة أسمى الأمنيات. كما أحسد أولئك الذين يتمكنون من دخولها وأنا البعيد عنها أقل من نصف ساعة بالسيارة ولم أتمكن من دخولها في حياتي.

القدس ليست مجرد أرض يحبها أهلها ككل الأوطان في هذا العالم، فلسطين ليست مجرد شوارع قديمة وجدران ومباني أثرية، مدننا مروية بدمائنا، قاتل على أرضها آباؤنا وأجدادنا وحافظوا عليها لأنها تمثل وجدانهم الذي حاول الغزاة أن يحرقوه عبر السنين.

نحن عندما نبذل أرواحنا في القدس فإننا لا نبذلها دفاعا عن الأحجار التي بناها المسلمون الأوائل ولا القبة التي صاغها الخليفة الوليد بن عبد الملك ولا الذهب والفضة التي جمعها العباسيون لإعادة بناء المسجد الأقصى، نحن نبذلها دفاعا عن هوية أمة كاملة، هوية أمة يُراد لها أن تزول إلى الأبد وأن تمحى من مكان عاشت فيه منذ عصور ما قبل التاريخ.

الشهداء يورثوننا روح النضال بدل أرواحهم، هذه الروح إن ماتت فينا ضاعت فلسطين، كل فلسطين.
أتخيل أن الشهيد مصباح أبو صبيح قد خطط لعمليته وخرج من بيته وهو يعلم أنه مقتول لا محالة، هو خرج بالتأكيد لأجل فكرة عاشها في ربوع القدس وفي ساحات المسجد الأقصى، هو يرى أن المسجد الأقصى أكبر من مجرد مكان وساحات ومباني جميلة، هو يرى فيه فكرة خالدة لا يمكن التنازل عنها، فكرة تستحق أن يقدم الإنسان روحه من أجلها.

وأتخيل الشاب العشريني في غزة وهو يحفر في عمق ثلاثين مترا في باطن الأرض، هو لا يموت هناك من أجل حبات الرمل، لكنه بالتأكيد يشعر بتلك الحبات أقرب إليه من أي شيء، في ذلك المكان المظلم المخيف يشعر أنه أقرب "للقدس الفكرة" وأنه يقدم شيئا ليدافع فيه عن المدينة المحاصرة وأنه يبذل دمه وروحه حفاظا على ما تبقى من كرامة في أوطاننا.

الشهداء يدركون بالتأكيد معنى أن تجود بنفسك، هم يدركون مكانتهم ولا يجدون حرجا في أن يتقدموا الصفوف إيمانا منهم بعدالة القضية وسمو الفكرة ووضوح الهدف وقلة الثابتين، هم يجودون لأن غيرهم تنازل وتفاوض ورفض أن يضحي ببعض الامتيازات وبطاقات الـ VIP، هم يورثوننا روح النضال بدل أرواحهم، هذه الروح إن ماتت فينا ضاعت فلسطين، كل فلسطين.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة