وائل علي
وائل علي
759

انتخابات المغرب تكذب ادعاءات نهاية الإسلام السياسي

11/10/2016
بعد أحداث صيف 2013م في مصر، انتشر خطاب بين المحللين السياسيين العرب والغربيين يبشر بنهاية الإسلام السياسي بعد هزيمته الكبرى في مصر، وتصاعد نبرة العداء له من قبل بعض دول الخليج العربي، ويبدو أن خطابهم ذاك كان أقرب للتمني منه للواقع فبعد 3 أعوام من ربيع "الثورة المضادة".
 

ويبدو أن جماعات الإسلام السياسي بدأت في استعادة بريقها، فتركيا بالأمس تهزم انقلابها، وتونس تسقط حكومة فلولها بالخلافات الداخلية، وفي الأردن عاد الإخوان لشغر مقاعد في البرلمان، وأخيرا الفوز الكبير لحزب التنمية والعدالة المغربي في انتخابات 7 أكتوبر الماضي.
 

الفارق الأساسي بين حكومة السيد عبد الإله بنكيران وشقيقاتها من حكومات الربيع العربي أنها كانت تقود حكومة ظل قبل توليها السلطة.

إن الظروف التي أنشأت ظاهرة الإسلام السياسي في العقد الثاني من القرن العشرين كانت تتمثل في الاحتلال الأجنبي وفساد الحكومات وفرض الدولة لنمط من التحديث القسري للمجتمع وتمييز الأقليات الدينية -تمييزاً إيجابياً-.

هذه الظروف هي التي أنشأت الإسلام السياسي وهي التي تمده بإكسير الحياة ليبقى وبدون حل هذه الأزمات، فإن الإسلام السياسي باقي ويتمدد، فالاحتلال الأجنبي لفلسطين وسوريا والعراق، وفساد الحكومات المتعاقبة في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ومحاولات فرض نمط من التفكير العلماني، بحجة مكافحة إرهاب داعش والقاعدة، وتقليم أظافر الإسلام السياسي بإطلاق مثقفين الدولة للهجوم على صحيح البخاري وعلى الحجاب والنقاب واللحية وغيرها، مما يراها عوام الناس من ثوابت الإسلام ويجعلهم يستشعرون الخطر على الإسلام من الدولة فيلتفون حول جماعات حماية الهوية الإسلامية، ولذلك فالإسلام السياسي باق ما بقيت الدولة العربية المعاصرة.
 

الخصوصية المغربية في الحالة الإسلامية:
تمثل ظاهرة الإسلام السياسي في المغرب فيما يبدو استثناءاً على الحالة العربية، فملك المغرب بموجب الدستور المغربي هو أمير للمؤمنين وحامي الملة والدين والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، وبالتالي فمسألة طبيعة علاقة الإسلام بالدولة محسومة بهذا النص الدستوري الواضح، وبالتالي يتم إغلاق الباب على دعاة المزايدات والاستقطاب والحركة الإسلامية المغربية الحاكمة "العدالة والتنمية" على لسان مفكرها الكبير الدكتور سعد العثماني تتبنى موقفاً مؤيد لتمييز الدين عن الدولة(1)، وهذا الأمر هو خلاف كبير لما تدعو له أدبيات جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الراحل حسن البنا الذي وصف الإسلام أنه "دين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف" وخلاف لما تدعو له شقيقتها جماعة الإخوان المسلمين المغربية "العدل والإحسان" والتي تصر على الدعوة لإقامة دولة الخلافة(2).

ومما زاد خصوصية الوضع المغربي، هو عدم وجود انقسام ديني اجتماعي مثلما يوجد في دول المشرق العربي من العراق وحتى مصر، فالشعب المغربي هو شعب مسلم بأغلبيته الكاسحة ربما يوجد انقسام عرقي بين العرب والأمازيغ لكن الشعب المغربي في المجمل متوحد خلف علم بلاده الأحمر ولا تشغل باله صراعات المشرق الطائفية بمقدار ما يشغل باله مشكلة الصحراء الكبرى والبوليساريو.

أعتقد أن الفارق الأساسي بين حكومة السيد عبد الإله بنكيران وشقيقاتها من حكومات الربيع العربي أنها كانت تقود حكومة ظل قبل توليها السلطة أيام كانت في المعارضة، وبالتالي فقد كانت تتابع من قرب مشاكل الدولة المغربية وعندما تولت الحكومة كانت تمتلك خطط جاهزة لكل شئ ولم تكن مشغولة بالشعارات البراقة وأيضا، لم تكن تعبأ باستفزازات المعارضين ولا بحركة "تمرد المغربية" ولا بالإشاعات الجنسية القبيحة التي كان تروج ضدها واختارت الرد عليهم بالعمل على الأرض ومحاولة كسب الشعب إلى جانبها.

انتصار بن كيران وحكومته وفوزهم من جديد بثقة الناخبين وسقوط أحزاب "المخزن" هو انتصار لمدرسة الإصلاح التدريجي الهادئ.

كما أن حكومة بنكيران عملت مع الجميع ولم تمارس الاستعراض السياسي واتخاذ مواقف إعلامية وكانت تدرك جيدا حدود صلاحيتها الدستورية منذ أول لحظة ولوج رئيسها قصر الحكومة وبالتالي لم تمس صلاحيات الملك ولا مؤسسات الدولة العميقة المغربية ولم تقم بأي قوانين أو مشاريع ذات طابع انقسامي بل اختارت تسيير دولاب عمل الدولة بهدوء ومحاولة معالجة المشكلات المزمنة للاقتصاد المغربي فتم تخفيض عجز الموازنة عبر رفع الدعم عن المحروقات وتم رفع سن التقاعد من 60 إلى 63 لحل مشكلة صناديق المتقاعدين وهذه الأمور هي التي رفعت معدلات نمو الإقتصاد المغربي إلى حوالي 5%.
 

نجاح بن كيران هو انتصار لمدرسة الإصلاح التدريجي:
إن انتصار بن كيران وحكومته وفوزهم من جديد بثقة الناخبين وسقوط أحزاب "المخزن" هو انتصار لمدرسة الإصلاح التدريجي الهادئ لكنه فيما أعتقد هو انتصار عابر فليست كل الدول العربية تشبه المغرب لا في طبيعة شعبها ولا بالشرعية الاجتماعية التي يتمتع بها نظامها الملكي الدستوري وما قبل به الناخب المغربي قد لا يقبل به الناخب العربي في بقية الأقطار فقد قبلت حكومة العدالة والتنمية التعايش مع القصر الملكي ومع مراكز القوى الفاسدة ولم تمارس صلاحياتها الدستورية في مكافحة الفساد بشكل كامل بل إن السيد بن كيران قال للناخبين "أنا لا أحارب الفساد لأن الفساد يحاربني وأن القضاء على الفساد في المغرب أمر غير ممكن".

حسب الإعلامي المغربي اللامع توفيق بوعشرين فإن بنكيران تحت خوف القطيعة مع القصر الملكي فقام بتأويل الدستور المغربي تأويلا غير ديمقراطيا تنازل به عن كثير من صلاحياته لصالح القصر الملكي وترك مراكز الفساد في القضاء ووزارة الداخلية والإعلام العمومي كما هي دون إصلاح مما سيجعل المكتسبات التي حققها المغرب مهددة في أي لحظة بالاندثار لأنه لا توجد مؤسسات قوية تحمي الديمقراطية وهذا عكس النموذج التركي الأردوغاني تماما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)يرجى قراءة كتاب الدكتور سعد العثماني الدين والدولة تمييز لا فصل. 
(2) العدل والإحسان" تدعو لتطبيق الخلافة شبكة CNN عربي 7 أبريل 2016م. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة