د. ماهر يونس أبو منشار
د. ماهر يونس أبو منشار
578

عندما يشكو اليتم بيت المقدس

11/10/2016

منذ أن فتح المسلمون بيت المقدس على يد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 16 للهجرة/637م، والاهتمام منقطع النظير لم يتوقف بهذا المكان المبارك من قِبل حكام المسلمين وأمرائهم، علاوةً على علماء الامة وعامتهم.


هذا الاهتمام البالغ والذي تعدد أوصافه وأشكاله لم يكن ليحصل لولا ذلك الفهم العميق بأهمية بيت المقدس ومكانته في الوجدان العربي والإسلامي، وضرورة الاهتمام بهذا المدينة ومسجدها الأقصى على اعتبار أنه المكان الذي أُسرى إليه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء من مكة، ومنه عرج إلى السماوات العلا.

 

لا يتصور عاقل أن الشعارات الرنانة لبعض الدول العربية سيكون لها دور في إخراج قضية بيت المقدس من حالة اليتم طالما بقيت الشعوب غارقة في بحور الجهل.

كما أن المسجد الأقصى هو أولى القبلتين التي صلى الرسول محمد عليه الصلاة وصحابته اتجاهها قبل أن تتحول قبلتهم لاحقاً إلى الكعبة المشرفة في مكة بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، إضافة إلى العديد من المزايا التي تحدثت عنها أحاديث الرسول عليه السلام وبينتها كتب الحديث والفقه والتاريخ.


ولنا أن نرى كنموذج من بدايات الاهتمام الفعلي ببيت المقدس أن الخليفة عمر بن الخطاب لم يخرج بشخصه من المدينة -عاصمة الدولة الإسلامية- لإبرام عقد الصلح مع أهل المدن المفتوحة إلا لبيت المقدس، وما كان فعل الخليفة هذا إلا لإثبات أهمية بيت المقدس في الإسلام، مع ضرورة الاعتراف بأهميتها عند المسيحيين.


لذلك، لم يرجع الخليفة إلى عاصمته إلا بعد أن منح أهل بيت المقدس المسيحيين عهدته العمرية، والتي ضمنت لهم الحرية الدينية التامة وحرية الحركة والعيش الآمن في بيت المقدس وغيرها من الحقوق.


ثم جاءت الدولة الأموية والتي بسطت سيطرتها على بيت المقدس وأظهرت اهتماماً واضحاً بتلك المدينة ومسجدها الأقصى، حيث ربط الأمويون شرعيتهم بالخلافة إما من خلال أخذ البيعة في بيت المقدس أو الزيارة المباشرة إلى بيت المقدس بعد استلام منصب الخلافة، أو بالإقامة في المدينة بالقرب من المسجد الأقصى كما حصل في حالات عديدة. ولنا أن نرى الآثار الواضحة للأموين في ساحات المسجد الأقصى من أمثال قبة الصخرة والجامع القبلي وغيرها،


ولم يختلف الحال عن العباسيين الذين اجتهدوا في الاهتمام والمحافظة على بيت المقدس وما فيه من أماكن مقدسة، أما في زمن الأيوبيين والمماليك ومن ثم العثمانيين، فقد شهد الاهتمام ببيت المقدس طفرة كبيرة، حيث بُنيت مئات المنشآت والمؤسسات الدينية والتعليمية من مدارس ومعاهد، وتم الاهتمام بالمسجد الأقصى وما احتوت ساحاته من معالم من خلال التجديد والتحديث والإضافة.


وغدا بيت المقدس نتيجة لهذا الاهتمام مركزاً متقدماً للعلم والتعلم والعبادة يرتاده الزوار والعباد والمتعلمون والمتعلمين، لكنه قدر بيت المقدس دائماً أن يسقط فريسة بيد الأعداء عندما تضعف المعرفة بحقة من قِبل العرب والمسلمين، حتى أصبح كاليتيم على موائد اللئام.


وهذا في الحقيقة حال بيت المقدس ومسجده الأقصى منذ أن سقط بأيدي المحتل الإسرائيلي، حيث تركت المدينة لوحدها تقاسي مرارة الاحتلال والتهويد، وشارك مع هذه المرارة حالة من الجهل المركب بحقيقة بيت المقدس وأهمية في الوعي الإسلامي.


علينا أن نعترف أن عموم أبناء المسلمين يعرفون أسماء لاعبي كرة القدم وأسماء الفنانين، ولكنهم يجعلون تاريخ بيت المقدس ومكانته المتقدمة في عقيدتهم، كما أن علينا أن نقر بأن المناهج التعليمية في معظم الدول العربية بقصد أو بغير قصد قد ساعدت على التجهيل بقضية بيت المقدس، وأجدت نوعاً من اللامبالاة اتجاه هذه المدينة ومقدساتها، فبقيت كاليتيمة تعاني ويعاني معها سكانها لوحدهم.


وبذلك، لا يتصور عاقل أن الشعارات الرنانة لبعض الدول العربية سيكون لها دور في إخراج قضية بيت المقدس من حالة اليتم طالما بقيت الشعوب غارقة في بحور الجهل بحقيقة هذا المكان، علينا القيام بانقلاب معرفي جذري حتى نعيد لبيت المقدس ومسجده الأقصى مكانهما. حينذاك ، لن يكون تحريرهما مستحيلاً.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة