نور قديمات
نور قديمات
1.9 k

الاحتلال.. لمن لا يعرفه!

14/10/2016
ياسمين ابنة خالتي، صدفةً أصبحنا أخوات. رويت لها قصصي القديمة. أخبرتها عن صداقاتٍ لم تحيا، وعن كتبي المفضلة. أريتها في أي درج تجد أقراطي المفضلة، وكيف نركب التكسي للوصول إلى حينا، ومن أين نشتري الخبر إذا أردناه على عجل. أخذتها إلى أقدم شارع في بيت لحم، وإلى أزكى محل فلافل. وأنا حتى الآن لا أعرف أفلامها، لا الشارع ولا المخبز، لأنّ ياسمين مقدسية.

لمن لم يرغب بأن يسمع عنه شيئا في نشرة الأخبار المملة، لمن ما زال طفلا صغيرا ولم يدرسه في المنهاج الجديد، لمن قالوا له أنه دولة تحيا في قلب العالم العربي، لمن طبّعوه في عقله المرتبك، فهذا هو الاحتلال كما لا نجده في معاجم اللغة.

الاحتلال.. هو أن تخشى إظهار بغضك لسجانك حتى لا يسموك جاهلا في الدبلوماسية معاديا للسّلمية.
الاحتلال: شقّ جرحا يمتدّ 68 عاما، يفرّق اليد اليسرى عن اليد اليمنى ويقول لهما: أنتما جسدان اثنان، اذهبا وكونا، وهما لا يعلمان أنه يكذب.

هو أن تزيل حيفا ويافا وعكا والناصرة والقدس والبِروة وزكريا وقيسارية من خارطة قلبك وتقولَ أنه الأمر الواقع. الاحتلال هو أن تفعل ذلك تحديدا.

هو أن يفصل بيني وبيني جدار يغطي ثمانية أمتار من الفضاء، يحجب عنا أصداف البحر المتوسط، ونسمات سهل مرج بني عامر، وجبل الزيتون العتيق، وبهاء الجولان.

هو أن تجلس في المخيم الملاصق للجدار الرمادي، و يتجوّل حولك الجنود المدججون، يرمون قنبلة نحو الأطفال ثم يفرّون من حجرِِ صغير، ثم أن يعود الجنود إلى المخيم ويعتقلوا صاحب الحجر، فهو الإرهابي الخطير.

هو أن تغفل عن عجل سيارتك المهترئ، وتنحرف السيارة عن مسارها مترا واحدا فتغرق أنت بالرصاص.

هو أن تخشى إظهار بغضك لسجانك حتى لا يسموك جاهلا في الدبلوماسية معاديا للسّلمية. هو أن تقضي سنواتٍ في الحبس الإداري دون أن تدري ما اقترفت يداك من مقاومة.

هو أن يغتالوا فلذة كبدك ذو العشرة أعوام في طريقه إلى المدرسة، ثم أن يضعوا بجانبه سكينا لامعة حديثة المظهر، فيهبّ الناس في الشارع، و تنهال الإدانات ضد الفاعل، و تعرب الأمم عن قلقها، ثم تمد إليه صناديق جديدة من البنادق.

الاحتلال.. أن يسرقوا اللقمة من فمك، والبساط من تحت قدمك، والثوب الذي ترتديه، والمنزل الذي تبنيه، ويقولوا لك: سلام عادل.
هو أن تتكرر وقت الغداء نقاشات تبدأ بكلمة شهيد، و يتبعها أسير، ثم انتفاضة وجيش وهدم وحاجز، فتنتهي هذه النقاشات بالانقسام الداخلي.

هو أن تصل حاجز "الكونتينر" فيوقفكَ مجنّد يصغركَ عشرة أعوام، يطلب منك بطاقة الهوية ويطلق عليك كلابه العسكرية، و يغلق البلاد، لأنه يمر بمزاج سيء. وهو أن تشهد ثلاثة مجازر دامية وأنت لم تبلغ السابعة من عمرك بعد.

الاحتلال، هو أن يهجرك العالم ويشجعك "السيلتكس".

هو أن يشفقوا عليك بمحاضرات عن العدالة والحرية، ويتباهوا أمام العالم كيف انتشلوك من ظلمات الجهل والعروبة، وأحضروا إلى بلادك ثقافة الشاي والكمبيوتر، وأطلقوا في السماء العمارات الشاهقة، واستوردوا، بكل حسن نية، الأنظمة الروبوتية، والحقوق العمالية والنسوية، والمبادئ الديمقراطية وبأنّهم قد جعلوك، بكل ما اوتوا من انسانية، متساوياً في الحقوق ولو كنت مسلوب الهويّة، وكيف سمحوا لك بأن تبقى سائحا على أرضك، وأنهم، بكل لطفِِ، قد رفعوا سقف شروط العبودية.

هو أن يسرقوا اللقمة من فمك، والبساط من تحت قدمك، والثوب الذي ترتديه، والمنزل الذي تبنيه، ويقولوا لك: سلام عادل.

هو أن لا تقبل بالسلام الكاذب فيقولوا لك: إرهابي عنصري لا ساميّ فاسِق.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة