هادي الجبة
هادي الجبة
6.4 k

خرافات التنمية البشرية!

13/9/2018

"إذا أردنا التعبد ندعو الله ونرجوه فيجيب دعاءنا سواء أعطانا سؤلنا أو لم يعطنا إياه، ولكن إذا أردنا تحقيق مطلبنا كما هو تماماً، وبلوغ مرادنا مباشرة فلابد من الجزم والحسم عبر رسائل اللاوعي البرمجية دون ترجّي أو سؤال!"

من كلام إحدى الحاصلات على شهادة "ممارس معتمد في البرمجة اللغوية العصبية"
من نقْل الدكتورة فوز كردي في كتابها "حقيقة البرمجة اللغوية العصبية"

يبدو أن كل ما تفرّدتْ به هذه العلوم الزائفة عن بقية العلوم الصحيحة، كعلوم الشرع وكالطب والفيزياء والكيمياء وعلم النفس والاجتماع والإدارة والتطوير وكل العلوم التجريبية الإنسانية المتفق عليها؛ فهو محض ادعاءات، من جهة العلم الشرعي والتجريبي أيضا، وأن كل ما صحّ منها فهو تلفيق بين تلك العلوم الصحيحة التي أجمع أهل الاختصاص على صحتها، وبالتالي فهي عبارة عن حق مخلوط بباطل، ثم تُقدَم للناس على أنها علم مجمع عليه.

إنه من الغريب جدا أن يقتنع طبيب أفنى عمره بالدراسة والأبحاث أن شفاء مريض بالسرطان ممكن بدقائق عن طريق ترديد لقد شفيتَ.. لقد شفيتَ.


إذ هل حقا أنه أي شيء نركّز فيه فإننا نحققه ونخلقه؟
هذا مناف للشرع والعقل معا، فأنا إذا أردت أن أرمي سهماً مثلاً، فلا يسبب انطلاق السهم إلا الرامي، وهذا ضمن مشيئة الله بطبيعة الحال "وما رميتَ إذ رميتَ  ولكن الله رمى" ولا يوجد طاقة روحية مثبتة علميا تجعلني أصيب الهدف ولا أن تفكيري الإيجابي -هكذا مجرّدا- سوف يجعلني أصيب الهدف.

نعم، إذا ركّزت في الهدف أكثر قد أصيبه بدقة أعلى وهذا متعلق بالاسترخاء وتركيز الدماغ على الهدف، أي علم النفس والأعصاب وليس علم "الطاقة الروحية".

نعم يوجد "طاقة" وهي الطاقة الكامنة التي تولدت عند سحبي السهم إلى الوراء (فيزياء) وليست طاقة روحانية ناتجة عن ترديدي "يمكنك فعلها، يمكنك فعلها"!

فالصواب من جهة الشرع: هو الدعاء بأن أصيب الهدف.. وهو مختلف عن التفكير الإيجابي -هكذا-، ففي الأول أنت تدعو الله العلي القدير، وفي الثاني أن تدعو، قل: نفسَك أو الطبيعة أو الكون أو الهالة أو الوجود أو الطاقة الإيجابية أو الأحجار الكريمة أو الأصنام أو ما شئت!

ومن جهة العقل والشرع أيضا: التدرّب على إطلاق الأسهم واكتساب الخبرة، ثم التركيز على الهدف المتحرك "وهو داخل في التدرّب" وهذا كله داخل تحت الأخذ بالأسباب الحقيقة فقط، أما "الطاقة" أو الطاقة الروحانية، فهي خارج هذان الشرطان الشرعيان العقليان.. ولا محل لها.

وإنه من الغريب جدا أن يقتنع طبيب أفنى عمره بالدراسة والأبحاث أن شفاء مريض بالسرطان ممكن بدقائق عن طريق ترديد لقد شفيتَ.. لقد شفيتَ! والسّرّ هو.. أن تقولها بيقين!، فلا تستغرب إن قرأت يوما أنه قد صنّف علماء مختصون بعلم الاجتماع وعلوم الإنسان، "البرمجةَ اللغوية العصبية" على أنها شبه دين بكل ما تحمله كلمة دين من معنى.
 

نعم، يوجد كثيرون ممن لم ينفعهم العلاج الطبي ولجأوا لدعاء الله فشُفوا، وهذا بسبب أن الله شفاهم، وليس الكون ولا الطاقة الروحية، فما جعل الله الشفاء إلا في الدعاء والطب فقط، ففي القرآن الكريم: (وإذا مرضت فهو يشفين).. هو الله وليس الطاقة -بإجماع المسلمين-، وفي السنة النبوية (فتداووا)، والطاقة الخفية ليست من الدواء -بإجماع الأطباء-.

نعم يوجد ما يسمى (placebo effect) أو تأثير العقار المزيّف وهو متعلق بالحالة النفسية للمريض ومحل بحثه هو: علم النفس نفسه وطرقه في العلاج، فالطاقة المعنيّة، هي ليست إله ولا هي الدواء نفسه، فما هي إذن؟

لا أعتقد أنه يُعلَّم في كليات الطب جميعها التشافي بالطاقة الروحية، وليس في الشرع كله التشافي بها، ولا يمكن لتقني كمبيوتر مثلا أن يقتنع أنه لو جلس أمام جهازه المعطّل وقال بيقين وصدْق: "لقد تم إصلاحك، لقد تم إصلاحك" أن الجهاز سيعود للعمل لوحده بالطاقة الكونية، بل ولا حتى لو دعوت الله أن يعود الجهاز للعمل لوحده كلما تعطّل، فهذه خفة عقل، لأن الله جعل لكل شيء سببا وهو القادر على كل شيء، وليست الطاقة سببا في إصلاح الجهاز ولا في شفاء المرضى ولا في سعادة الإنسان ولا شقاءه.

وهنا رأيان، لشيخ ومختص نفسيّ:
1- سئل الدكتور محمد راتب النابلسي عن قانون الجذب وغيره من "العلوم" كعلم البرمجة اللغوية العصبية وعلم الريكي، وعلم اليوغا، وعلم الميتافيزيقيا.. هل تتعارض مع ديننا الحنيف؟

فأجاب:
"الحقيقة أن هذه العلوم ليس لها حكم عام إنما حسنها حسن وقبيحها قبيح والمشكلة أن كثيراً من الناس ربما لا يستطيعون التمييز ولربما أخذوا الحسن مع القبيح فتسللت إلى رؤوسهم أفكار لا تتوافق مع ديننا وعقيدتنا، وفضلاً عن ذلك فبعضها يراد منه إدخال السحر والشعوذة إلى حياتنا بطريقة جديدة وتحت مسميات متعددة فينبغي التنبه إلى ذلك، بعد هذا أرى أن الاستغراق في تعلم هذه العلوم كثيراً ما يبعد الإنسان عن العلم الأساسي الذي وجب عليه تعلمه وهو علم الوحيين: الكتاب والسنة، فنكون قد ضيعنا أعمارنا في منتجات بشرية تتعلق بالنفس والروح وتركنا منهج الخالق العليم بقوانين النفس التي خلقها وبما يسعدها أو يشقيها والحمد لله رب العالمين.."، وكذلك قال غيره من الشيوخ والعلماء بأشدّ من ذلك تحذيرا وتنبيها.

2- المختص بعلم النفس -وعلم النفس علم صحيح- توماس ويتكوسكي، ذكر في بحث سنة 2009 بعنوان (خمس وثلاثون سنة من البحث في البرمجة اللغوية العصبية)، يقول في نتيجته:
"يقود تحليلي -بشكل لا يقبل الإنكار- أن البرمجة اللغوية العصبية تمثّل هراء شبه علمي (علم زائف) بحيث يجب إهمالها للأبد".

وأضع أخيرا هذه الأسئلة:
- مَن مِن العلماء -الشرعيين- ذكر أن هذه العلوم ليس فيها ما يتعارض مع ديننا؟
- أي الجامعات العالمية المرموقة يُدرس فيها الطاقة الكونية والروحانية على أنها علوم تجريبية صحيحة؟

- قد قيل أنه يمكن أن تجد رجلا مؤمنا وحزينا في نفس الوقت، -للدلالة على أنه يحتاج لعلم الطاقة لكي يسعد في الدنيا- فالسؤال: ألا يوجد أيضا من يتعلم ويمارس تعاليم علم الطاقة وحزين في نفس الوقت -مؤمنا كان أو ملحدا-؟، فما الفرق إذن؟

- من هم واضعو القوانين المتعلقة بهذا العلم، وما هي أدلتهم على صحة هذه القوانين؟ (الأدلة العلمية التجريبية وليس بالشواهد القرآنية).

وأختم بقول لاحق، للحاصلة على شهادة ممارس معتمد في هذا العلم المزعوم:
"حرمتني البرمجة اللغوية العصبية لذة العبودية، وقلّ الدعاء في حياتي تدريجياً فقناعتي الداخلية بقدرات عقلي الباطن أزالت كل معاني الافتقار لقوة خارجية".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة