أنس يلمان
أنس يلمان
11.9 k

في الشباب أملنا

19/10/2016

الشباب هم براعم الربيع لشجرة المجتمع، هم كالبذور المخفية في الزهور والنوى التي تحملها الثمار، وإن الحياة المشرقة والمزدهرة سوف تولد من هذه البذور والنوى، الشباب يعني المستقبل، ومستقبل أي أمة بدونهم يعتبر منعدماً. وإذا كان نقل قيم الأمة الإنسانية إلى الأجيال القادمة عبئا، فالحامل المقدس لهذا العبء هم الشباب.
 

وعلى إثره يجب ضمان وجود شباب أقوياء من كل الجوانب. شباب ذي أخلاق نبيلة، وقلوب شجاعة، وعقول واعية ومشرقة. يقول الراوي المعروف جورج دونالد: "تنتهي وظيفتنا في الحياة عندما نتوقف عن فهم الشباب". أي أن الشباب هو المجهول الذي يجب معرفته، وكلمة السر لباب المستقبل التي يجب إيجادها.
 

إذا قارنا هذا الزمان بالشجرة، فإن ماضيها هي الجذور، ومستقبلها هو الثمرة، وللحصول على ثمار ناضجة من شجرة هذه الأمة يجب أن نوجه الشباب إلى شمس الحق والحقيقة. يقول المؤرخ المعروف ويليام سنلمان: "التخلي عن الشباب كترك الحقل لوحده دون اهتمام، فينمو فيه الشوك والنبات الطفيلي"، أي أن روح الشباب يحتاج إلى عناية خاصة، ومشاعرهم، وأفكارهم، وأحاسيسهم تحتاج إلى اهتمام ومراقبة.
 

الذي يريد أن يفتح الدائرة الكهربائية لتنوير المجتمع، يجب عليه أن يأخذ مصابيح عقول الشباب ضمن أولوياته، حيث أن تطور المجتمع وازدهاره لا تتحققان إلا بتلك العقول

إن الأمة تبدأ بفقدان هويتها عندما ينحرف شبابها عن الأخلاق والسلوكيات الأصيلة، فتملؤهم الشهوات الهابطة، ظنا منهم أن هذه الشهوات تشبع ظمأهم فيكونون مثلهم كمثل العطشان في صحراء قاحلة يعرض عليه ماء البحر فيزيد عطشاً بدلا من إروائه، فعلينا أن نبعد الشباب عن هذه الغرائز والمسكنات الدنيوية الفانية كما نبعد النار عن البارود، لأن تدهور أوضاع الشباب وانحطاط أخلاقهم لا يدمرهم وحدهم وحسب، بل يسبب انحطاط الأمة بأكملها.
 

إن التربية والتعليم هما العنصران الأكثر أهمية في تنمية الشباب المثالي، وإذا لم تتبن مؤسسات التعليم منهج الإرشاد إلى القيم الأخلاقية والشعور بالأمة الواحدة فسيكون الشباب الناشىء في هذه الصروح التعليمية في عداد المفقودين. فالذي يريد أن يفتح الدائرة الكهربائية لتنوير المجتمع، يجب عليه أن يأخذ مصابيح عقول الشباب ضمن أولوياته، حيث أن تطور المجتمع وازدهاره لا تتحققان إلا بتلك العقول والأفكار الشبابية التي تنتمي إلى ثقافة أمتها.
 

وبناء عليه فإن الثقل الكبير يقع على عاتق المربين والمعلمين، إذ يجب عليهم أن يكونوا مثل الطير الذي أطلق جناحه لضم الشباب وتعزيزهم بالأمل والمثابرة، فلا يخفى علينا أن الشباب بحاجة إلى من يخاطب قلوبهم قبل عقولهم. إذن، آمالنا التي نريد تحقيقها في المستقبل تعتمد اعتماداً كلياً على كيفية بنائنا للشباب، وتوجيه سلوكهم وطريقة تفكيرهم ، فالشمس لن تشرق على مستقبل أمة فقد شبابها الأمل، والعزم، والغيرة والهوية، إذن سيعم الضباب، ويعمي أفقهم، ويريهم المستقبل غامضاً ومظلماً.
 

أما الثقل الأكبر فيقع على عاتق الشباب أنفسهم، حيث إن تثقيف وتطوير الذات عندهم أمر حتمي لابد منه والتي تترتب عليه أمور مطلوبة يجب أن يتم مراعاتها وتحديدها. فعلى كل شاب وشابة أن يقوموا بالتحليل الذاتي، وإثبات ما يمكنهم القيام به، لأنه مع تقدم العمر يجب التركيز على المجالات الذي سيتم التعمق بها، وبالتالي تكثيف الجهود عليها. وفي نفس الوقت تشخيص الأسباب التي تشكل عائقاً أمام نموه، وترقيته، وإيجاد السبل التي يمكن من خلالها التخلص من تلك الموانع بصورة تدريجية.

تجنب الدخول في المناقشات والجدل مع أناس في مواضيع غير لازمة، لأن مناقشات من هذا النوع تؤدي إلى هدر الطاقات، وتتحول في الغالب إلى مبارزات كلامية 

إن تقرير ما يهدف إلى تحقيقه الشباب على المدى القصير والطويل لهو أمر في غاية الأهمية، ولا يتم ذلك إلا بتمحور التعليم حول أسلوب الحياة بحيث يكون التعليم الثانوي والمسلكي والترفيهي موازياً للتعليم الديني والثقافي. وينصح لتلك الشخصية المتعلمة الطامحة للنجاح والمتحركة نحو الهدف المنشود مراعاة بعض الأسس المؤهلة التي تجعله محافظا على مساره:
 

أولأ: دفع الطاقات الدراسية والبحثية باتجاه المسار المختار والمحدد، لأن التعامل مع شيء مختلف يومياً يكون مساوياً لعدم القدرة على القيام بأي شيء.
ثانياً: تدوين مختصرات ما يطالعه الطالب للبحوث مع مصادره في دفتر ملاحظاته اليومية بصورة مستمرة، حيث إن هذه الملخصات تساعده على التطلع إلى آراء الباحثين المختلفة في المجال الواحد وعدم الاكتفاء بما يصلون إليه من نتائج فحسب، بل يمكن للطالب استنتاج أفكار جديدة في ذلك المجال، والذي لم يتوصل إليه الباحثون أنفسهم.
 

ثالثاً: التعمق في مواضيع المجال الذي يتعامل معه، وذلك له طريقان: إما تدريس الموضوع، أو الكتابة حولها.
رابعاً: التعاون مع من لديه مجالات متشابهة، وذلك بتكوين مجموعات دراسية يقوم فيها الشباب بقراءات مسبقة لمواضيع محددة ثم الاجتماع ومناقشتها، فتساهم هذه الدراسة في خلق جو من الاهتمام المشترك.
 

خامسا: الاستماع إلى الأشخاص الذين لديهم تأثيراً إيجابياً على المجتمع بحياتهم وأعمالهم، ومحاولة أخذ النصائح منهم في المسائل اللازمة.
سادساً: التدريب على اكتساب أسلوب الخطابة الصحيح والدقيق والمؤثر، فالكلام هو أفضل وسيلة للتواصل مع الناس، ويراعى في ذلك الفصاحة التي تتطلب معرفة القواعد اللغوية، والاستفادة من الكتب التي كتبت حول هذا الموضوع. ولا يخفى أيضا الفائدة الكبيرة من الممارسة عن طريق إلقاء خطب قصيرة في الأماكن، والأزمنة المناسبة وبدون تردد أو خوف.
 

سابعاً: تجنب الدخول في المناقشات والجدل مع أناس في مواضيع غير لازمة، لأن مناقشات من هذا النوع تؤدي إلى هدر الطاقات، وتتحول في الغالب إلى مبارزات كلامية هدفها التغلب في معركة الخطابة مما يسوق المناقشين أحيانا إلى إبداء آراء في مواضيع ليس لهم فيها علم بتاتاً.
 

ثامناً: تجربة السفر والسياحة وذلك حسب الإمكانيات المتاحة. فهذه التجربة تعلم الشباب الكثير من المهارات الحياتية، وذلك من خلال التعرف على ثقافات العالم المختلفة، ورؤية الأماكن التاريخية التي تفتح القلب والعقل، كما تساعد على توسيع الدائرة الاجتماعية حيث يمكن للشباب الالتقاء بالعديد من الناس الجدد، وكسب العديد من الأصدقاء، والاستفادة من خبراتهم، فتساعد بذلك في بناء الثقة بالنفس وتعزيز الاستقلال.

على الشباب عدم نسيان حقيقة أنهم طلاب في مدرسة تسمى الدنيا، وهم يسيرون في طريق اسمه الحياة

تاسعاً: الابتعاد عن الغضب الذي يمهد الطريق إلى الاستعجال في أخذ القرارات المصيرية، فعليه يجب تربية النفس بحيث يكون الحب، وروح التسامح، وحسن الظن من أساسيات تعامل الشباب مع الآخرين.


عاشراً: تقييد العلاقات مع الجنس الآخر، فالميول إلى الجنس الآخر أمر طبيعي وفطري، ويتطلب التحكم بها، وحفظها في دائرة الحلال، لأنه بعكس ذلك -وإضافة للحرمان من التوفيق الرباني- فإن هذا الأمر سوف يشغل حيزاً كبيراً في حياة الشباب اليومي، ويصبح سداً منيعاً أمام تنميتهم تنمية صحيحة.
حادية عشر: الدعاء المستمر إلى الله، والشكر، والتوبة الدائمة من الأمور التي يجب أن تدخل حياة الشباب اليومية، والحرص على استخدام ساعات اليوم بصورة سليمة، والأخذ بنظر الاعتبار الراحة الكاملة عند النوم.
 

وأخيرا وليس آخرا، فإنه على الشباب مع مراعاة كل ما سبق عدم نسيان حقيقة أنهم طلاب في مدرسة تسمى الدنيا، وهم يسيرون في طريق اسمه الحياة، فالشباب الذين يعيشون كل لحظة من لحظات هذه الحياة وكأنها الأخيرة، وبصورة هادفة وذات مغزى ومعنى، ومؤمنين بأنهم أصحاب رسالة يخدمون بها دينهم ووطنهم وأمتهم، وأن هناك حياة خالدة سرمدية بانتظارهم فسوف يزيد نشاطهم وعزمهم وتغمرهم السعادة التي توحي بالسعادة الأبدية، وسيكون لهم حتما جواباً غير جواب الظالمين أنفسهم عندما تسألهم الملائكة: "فيم كنتم؟".

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة