أماني سنوار
أماني سنوار
2.5 k

المرأة المظلومة في المؤسسات الإسلامية

30/10/2016
حضرت قبل أيام ندوة نسائية نظمتها جمعية عربية في إسطنبول، وكانت تقدمها شخصيتان من صفوة النساء الإسلاميات الناشطات في الإعلام والعمل الاجتماعي.
 

كانت تجلس على يساري سيدة أربعينية من قطر عربي، يبدو عليها أنها مثقفة وصاحبة خبرة في العمل الحزبي، لم تتوقف خلال الندوة عن الهمس في أذني بانتقادٍ هنا أو هناك لما نسمعه في الندوة، أو تصويب لمعلومة أو أسلوب غير موفق.
 

تتم هيكلة الخطاب الإسلامي للنساء على افتراض انحسار اهتمامات المرأة بالقضايا التربوية والأسرية، واضمحلال ثقافتها العامة وفقرها للاختصاص

في نهاية اللقاء تعارفنا بدفء شجعني لأن أصارحها بما لدي، قلت لها، عزيزتي أنت محقة بالملاحظات التي طرحتها حول ضعف أداء الناشطتين ومضمون ما تم تقديمه اليوم، لكنك في نفس الوقت غير متفهمة.. فهاتان السيدتان هما ابنتا منظومة المؤسسات الإسلامية التي تربّي المرأة على الاستماع والتلقين، وقلّما تمنحها فرصة للتطوير وصقل القدرات، ولعل هذه الندوة هي أول تجربة حقيقية لهن أمام جمهور عريض ومتنوع الثقافات.
 

لم تعلق السيدة على كلامي بأكثر من ابتسامة، فلعلّي ضايقتها أو ربما وضعت يدي على جرح واسع ينسحب على تجربة الإسلاميين في بلدان عديدة في المشرق العربي، حيث ما زال الفهم المستشكل لدور المرأة في الحياة، وحدود العلاقة والتواصل معها أزمة حقيقة في وجدان الإسلاميين ومنظومة أفكارهم.
 

فبعد سنوات طويلة من التوجس تجاه المرأة وحضورها، أفرزت المراجعات الإسلامية إيماناً بأهمية وجود المرأة داخل المواقع الحزبية والمؤسساتية، وضرورة تفويضها بمواقع مسؤولية.. وهذا يعتبر تقدماً محموداً لكنه ما زال قاصراً، لأنه جاء على شكل تغيير من رأس الهرم وليس قاعدته..
 

فعلى سبيل المثال، تم دمج شخصيات نسائية في مواقع قيادية، وتم تصدير بعضهن للعمل السياسي والحزبي، لكن اختيارات الإسلاميين انطلقت من قاعدة تقول "هيا بنا نبحث عن امرأة نصدّرها للعمل العام"، وليس من قاعدة "هيا نبحث عن القيادي الكفؤ/ ولا فيتو لدينا ضد أن تكون امرأة".
 

ومن هنا وقعت اختيارات الإسلاميين ضمن جيل الأمهات (السيدات الكبار)، وهو جيل محبّب لدى الإسلاميين للالتفاف على حرج التواصل مع فتاة شابة، والتعامل بدلاً عن ذلك مع "خالة"، ولعل السبب الآخر في ترجيح "الخالة" هو حياة الظل التي تعيشها المرأة في المؤسسات الإسلامية، مما يعني أن تجربتها ستبقى متواضعة وستحتاج لسنوات أطول حتى تُصبح في نظرهم مؤهلة.
 

ولأن التغيير ليس نابعاً من قاعدة الهرم، فقد تجد شخصيات نسائية تشارك في إدارة مؤسسات إسلامية بصلاحيات محدودة، لكن هذا لا يعني انتهاء مشكلة الإسلاميين في مخاطبة المرأة ورسم دورها في المجتمع.. فطبيعة الأنشطة والفعاليات الموجّهة للمرأة، وتركيبة المؤسسات التي ترعى شؤونها تكاد تنحصر بقضايا الأسرة، الطفل، الزواج، التراث والثقافة الإسلامية.. بطريقة توجّه المرأة لأن تحصر اهتماماتها داخل هذا الإطار فقط، وتنمي مداركها ومهاراتها داخله وحسب، الأمر الذي يبدّد أي طاقات أو مهارات تتمتع بها، وتحرمها من ممارستها وتطويرها.
 

وتتم هيكلة الخطاب الإسلامي للنساء على افتراض انحسار اهتمامات المرأة بالقضايا التربوية والأسرية، واضمحلال ثقافتها العامة وفقرها للاختصاص، فيتحول العمل الإسلامي إلى أداة خدمية تتعاطى مع واقع المرأة اليومي، لا سيما ثنائية العبادة-والأسرة، لكنها لا تستطيع تجاوز ذلك نحو تقديم نظرة شاملة تهتم بما يغذّي الفكر أو ينهض بالروح أو يحفّز الطاقات الجماعية نحو الإنتاج.
 

وبهذا انحرف العمل الإسلامي عن جوهر غايته بانتشال المرأة من تقاليد المجتمع الجائرة إلى بيئة إسلامية حرة، ليتحول هو الآخر إلى وسيلة لإشغال للمرأة تحت السقف النمطي الذي يُتيحه المجتمع، ومسار للتأقلم والتنفيس عن المرأة عوضاً عن تأدية رسالة تحريرها من القيود غير المنتسبة للدين، وإطلاق طاقاتها في جو منضبط ومحافظ.
 

هذا التأطير للمرأة يكاد يصل حدّ الوصاية على أفكارها واهتماماتها، ويقود بالنهاية إلى خسارة شرائح واسعة من السيدات المؤهلات وذوات الاختصاص ممن لا يجدن إشباعاً لشغفهن أو تطويرا لذواتهن داخل الأطر الإسلامية فيبحثن ببساطة عن إطار آخر أو يستسلمن للوصاية.
 

ولا شك أن مسألة الشغف وإشباع الحاجات المعرفية هي تحدٍ كبير أمام الإسلاميين، سواء أكان الجمهور من النساء أو الرجال، وذلك بسبب مشكلات الترهل المؤسسي والافتقار للتجديد والتطوير والتعرض للضغوط والملاحقات الأمنية، لكنّ الوضع يزداد سوءاً في العمل النسائي حين تحصر اهتمامات المرأة في قضايا محسومة سلفاً، أو تُحرم من فرص التطوير والتدريب الممنوحة للرجال سواء بعدم دعوتها للفعاليات التخصصية أو تخصيص مقاعد محدودة لها، ولا توضع أيضاً في موقع المسؤولية الذي يصقل شخصيتها ومهاراتها.
 

التغيير لن يأتي من حالة استثناء هنا أو هناك، بل من مراجعة حقيقية تعيد احترام دور المرأة وقدراتها

أما في المجال الإعلامي والشعبي، فكثيراً ما يتعامل الإسلاميون مع المرأة كـ "ديكور" ضروري لدحض فكرة الانغلاق والرجعية، لكنه تعامل لا يعكس احتراماً للمرأة أو ايماناً بها.. فهي يُراد لها أن تكون موجودة لإيصال رسالة، لكنها لا تُمنح دوراً حقيقياً مساوياً للرجل، أو بصيغة أدق، لا تُمنح دوراً مساوياً لقدراتها، فالمسألة ليست منافسة ندية بين النساء والرجال، بقدر ما هي استياء من تهميش صاحب القدرة بناء على جنسه ونوعه.
 

ففي القنوات الإسلامية تجدُ المرأة وجهاً جميلاً قارئاً للأخبار، لا محاورة تستخرج الإجابات الصعبة من الضيوف.. وفي المؤتمرات، تجد الحضور النسائي معزولاً في آخر مقاعد المدرجات.. وفي المسابقات، تفوز المرأة ويُنادى اسمها، لكنها لا تصعد أمام الرجال على المنصة للتكريم.. وفي المحاضرات العامة، تستمع المرأة للرجال، لكنها لا تُمسك ميكروفون التقديم إلا في المحاضرات النسائية.
 

هذا جزء من الواقع العام للمرأة في العمل الإسلامي، وهو واقع قد تشوبه بعض الاستثناءات الجميلة التي تكسر قتامة الصورة.. لكن التغيير لن يأتي من حالة استثناء هنا أو هناك، بل من مراجعة حقيقية تعيد احترام دور المرأة وقدراتها فيستعيد الطرفان الثقة المفقودة بينهما.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة