المُعلم الجاهل

6/10/2016
لم أكن أتخيل يوماً أني سأعمل مٌدرس، ذلك الشخص كنت أخشاه دائما، وكنت أبحث داخلي عن أكثر الكلمات التي تلائمه في حديثي معه، وكنت أصنع ما يطلبه حتى أقلل من الضرر الذي يمكن أن يلحق بي. لم أكن أتوقع أن أكون ذلك الشخص، الذي يعرف كيف يفسر النصوص، ويمتلك أدوات المعرفة، ويعرف كل تفاصيل كتاب المدرسة، وكنت أتخيل أنه لديه القدرة على معرفة وتفسير أي ظاهرة، وأي معلومة تتعلق بالعلم الذي يقدمه لنا.

 

كنت قد شغلت منصب مُدرس علوم للمرحلة الإبتدائية، بأحد المدارس التجريبية، وكنت متحمسا للغاية للتجربة، وكنت متشوقا لمحاولات استخدام أسلوب مختلف في تعليم الأطفال. عنما دخلت الفصل وبدأت بتعريف نفسي، وقلت لهم "أنا اسمي إسلام"، ردد الأطفال "أهلاً يا مستر إسلام"، فقلت لهم: "لأ اسمي إسلام بس، من غير مستر".. وقتها تفلتت منهم ابتسامات، وتبادلوا نظرات استغراب بينهم، وكان ذلك أول درس تعلمته منهم، وهو أن الألقاب التي تم تعريفها للأطفال، قد صنعت لهم خيالا محدودا لم يستطيعوا تجاوزه. فلقب "الأستاذ والمدير والعامل والموجه والمراقب..." قد تم حصر توقعاتهم عنهم في بعض سلوكيات، وهيئة معينة، فإذا حدثت سلوكيات مغايرة لتوقعاتهم، أو خيالهم المحدد عن هذه الألقاب، فمن الصعب أن يتقبلوا ذلك، إلا إذا جاء صانعوا الخيال (الأهل /المدرسة) وقاموا بإجراء تعديلات في خيالهم.
 

الطفل لا يأخذ رأي المُعلم أو الأهل على أنه رأي، بل على أنه حقيقة واقعية تم إقرارها وإثباتها، فيكون رد الفعل هو أن يتعامل مع الحياة بذلك الرأي.

"لو سمحت يا مستر، اكتب تاريخ النهاردة"، "لو سمحت يا مستر، اكتب عنوان الدرس". كانوا مهتمين بشدة ببعض الإجراءات التي تم التنبيه عليها في بداية العام. فتاريخ اليوم، وعنوان الدرس، كان أهم مما سيُقال بعد ذلك. أخذت أتخيل إذا كنا نستعمل تاريخ اليوم لتأريخ اللحظات التي نقضيها معاً، وندون لحظات الحيرة لمحاولات فهم النصوص، ولحظات التساؤل للبحث عن إجابات، ونشوة الوصول لتفسيرات لبعض الظواهر، وقتها سيكون للتاريخ وعنوان اليوم معنى حقيقي.
 

يجلس في أخر الصف، ولد غير مكترث لما يحدث حوله، أمامه كراسة بالية، لم يكتب داخلها غير بعض حروف غير متنظمة، وبعض أرقام متناثرة، وبالكاد كان قد كتب اسمه على غلاف الكراسة. اقتربت منه وسألته: أنت بخير؟ لم ينظر إلي، ورد قائلا: "مش معايا كراسة العلوم.. نسيتها."، اقتربت طالبة وهمست لي قائلة: "يا مستر ده محمد وبليد ومش بيعرف يكتب ولا يقرأ.".

عندما كنت طالب كنت أتطلع إلى من يُقال عليهم البلداء، إنهم أكثر الناس ذكاء، فكانوا يعرفون متى يستفزون المدرس، ومتى ينجزون الواجبات بأقل مجهود، وكانوا يتقنون رياضة ما، أو لديهم معلومات عن السينما، فكانوا يوجهون ذكاءهم في المنطقة التي لا يوجه لهم فيها أوامر، وكانوا يتمادون في إثبات كلمة بليد التي أطلقها عليهم المُدرس أو الأهل، فكانوا يفعلون كل ما يثبت أنهم بلداء. والبليد في اللغة معناها: بطيء الإدراك والفهم، وقليل النشاط. ولكنهم كانوا على عكس ذلك، فكان محمد مثلا، يعرف جيدا أني سوف أسأله عن كراسة العلوم، وعن سبب عدم مبالاته، وكان قد أعد لي مسبقا رداً واضحا، وكانت طريقة حديثه تشير لي أن أمضي ولا ألتفت له، فإنه غير مهتم ولا يُجدي الحديث معه بشىء. تعلمت وقتها أن الطفل لا يأخذ رأي المُعلم، أو رأي الأهل على أنه رأي، بل على أنه حقيقة واقعية تم إقرارها وإثباتها، فيكون رد الفعل هو أن يتعامل الطفل مع الحياة بذلك الرأي، فيكون الخمول واللامبالاة مصاحبين له دائما.
 

الله "المُربي والمُيسر"، يعلم ضعفنا، ويريد أن يخفف عنا. فالتعامل المباشر مع الفطرة يقومها ويلطف بها، ولكن لا يكسرها.

"تعرفوا إيه عن العلوم؟ وتتوقعوا ممكن تستفيدوا مني ازاي؟ وأنا ممكن أتعلم منكم إيه؟".. أعرف جيداً أني لا أستطيع أن أُحلق خارج سجن الكتاب المدرسي، ولكن دائما ما كان السؤال رفيق دائم للعقل، يوقظه دائما ويجعله يرتبك وينتبه، فيعيد تأويل بعض الأمور، ويجعله يرصد الأحداث ببطء، ويتعلق بتفاصيل الأشياء. فالتساؤل علاقة متماسكة بين السائل والمسؤول، رابطة جديدة بين أفراد مجتمع ناشىء. كانت إجاباتهم مرتبكة، وكان الشعور بالدهشة مسيطر على الموقف، وانطلقت بعض العبارات العفوية، وكان ذلك بالنسبة لي إنجاز، فقد شعرت أني خلقت مساحة للإرتباك والدهشة والعفوية، وقد تم كسر حاجز الخوف بيني وبينهم، وتم بناء روابط ثقة قوية. فقد شعرت أن جزءا من فطرتهم وإنسانيتهم قد استعادوه، وهم أيضا شعروا بأهمية وجودهم، وأنهم يستطيعون أن يسألوا، ويخلقوا إجابات، ويعبروا عن شعورهم تجاهي، وتجاه ما يتعلمونه.
 

كانت تجربة غنية، وقد تعلمت منهم أكثر ما تعلموا مني، فالعلم الذي نقدمه ليس أساس عملية التعلم. عملية التعلم هي تفاعل، وبناء روابط ومساحات مشتركة بينك كمدرس وبين الطلبة، ويجب في لحظات تبادل الأدوار، فيكون المُدرس طالب. التكاليف التي تقع على الطالب، من مذاكرة وامتحانات وواجبات، يجب أن تكون من نتائج بحثهم في مسيرة التعلم؛ فالتكاليف هي ما تطيقه النفس ابتداءاً. والأخطاء في مسيرة التعلم شىء صحي جداً؛ لأنه يتيح التفكر في الأمر من زوايا مختلفة، ومعرفة مواطن القوى والضعف في إدراكنا.

قال تعالى: ((يريد الله أن يخفف عنكم)).. قال ابن كثير: "يريد الله أن يخفف عنكم، أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، وخلق الإنسان ضعيفاً فناسبه التخفيف؛ لضعفه في نفسه، وضعف عزمه وهمته". الله "المُربي والمُيسر"، يعلم ضعفنا، ويريد أن يخفف عنا. التعامل المباشر مع الفطرة يقومها ويلطف بها، ولكن لا يكسرها.
 

في رواية قواعد العشق الأربعون، شمس التبريزي ينصح أحد التلاميذ: "لكن إذا ظللت تبحث عن مُعلّم في المستقبل، فأرجو أن تتذكّر قاعدة ذهبية تقول: يوجد معلّمون مزيّفون، وأساتذة مزيّفون في هذا العالم، أكثر عددا من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعلمون بدافع السلطة، وبين المعلّمين الحقيقيين. فالمعلم الروحي الصادق، لا يوجّه انتباهك إليه، ولا يتوقّع طاعة مطلقة، أو إعجابًا تامّا منك، بل يساعدك على أن تقدّر نفسك الداخليّة وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلّور، يعبر نور الله من خلالهم.".

كلمات مفتاحية: التعليم، المعلم، الطالب

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة