ما بين البرميل والإزميل كانت الخوذة البيضاء

8/10/2016

مع أصوات أزيز طائرات الموت في كل يوم ممزوجةً بوقع انفجار برميل مرخص دولياً لينهي أصوات وأحلام وآهات ما كفت عن مناداة الحرية والعيش بكرامة، هنالك من بين الركام والحطام وصراخات الألم والخوف كان لابد من "يد" ترفع وتنهض ذاك الطفل وذاك الشيخ وذاك الإنسان لتزرع مع بقاياه المحطمة قليل من الأمل.

ثلاثة آلاف ويزيد من المتطوعين ومنهم متطوعات لخدمة سبع ملايين شخص في الأراضي السورية المحررة، يركضون تحت الغبار وتحت وطأة النيران والقصف يحفرون وينتشلون، يبكون وقليلاً ما يضحكون، مرهقون ومتعبون ومن ثم يقفون، يعرقون ويتغبرون، يتدربون ولا يكلون، من هم!! هؤلاء هم خباز ونجار وخياط ومهندس ودكتور وطالب جامعي وبالإضافة إلى تاء النسوة، أقسموا على أنفسهم ألا يتركوا جريحاً يتألم ولا طفلاً يصرخ ولا شهيداً إلا أن يُقبل من جبهته قبل أن يدفن.

هؤلاء الأبطال كثيراً ما كانوا يتخذون وظائف لأنفسهم بالإضافة للإنقاذ منها إزالة الركام من الشوارع وتفكيك ونزع القذائف التي لم تنفجر وإطفاء الحرائق


تلك الأيادي لأصحابها "القلوب البيضاء" مُرتدينَ مع أو حتى كل إشراق صباح دموي خوذهم البيضاء، متخذين من الآية الكريمة" وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعا " أرواحهم وحياتهم ثمناً يدفعونه لإنقاذ مئات الأبرياء من براثن الموت.

متطوعون من كافة الأعمار المختلفة والمهن وحتى الشهادات الدراسية والجامعية ممن فضلوا البقاء في أرضهم ليكونوا أول الواصلين لنجدة أهلهم، وذلك على رغم من نقص العدة والعتاد والإمكانيات المطلوبة والوعود الكاذبة، هي إذاً عدة بسيطة من حبال ومجرفة ومطرقة وإزميل وآلة حفر إن توفرت ومصابيح إنارة بالإضافة لسيارات الإسعاف التي قلما ما كانت مجهزة بعدتها حتى وصولها إلى المشفى أو المركز الصحي ومع ذلك أنقذوا ما يقارب من ستون ألف شخص من تحت الأنقاض.

هؤلاء الأبطال كثيراً ما كانوا يتخذون وظائف لأنفسهم بالإضافة للإنقاذ منها إزالة الركام من الشوارع وتفكيك ونزع القذائف التي لم تنفجر وإطفاء الحرائق وكما يقومون ببعض الأحيان بمساعدات إنسانية للتخفيف من وطأة الظروف القاسية وتوفير معلومات السلامة وتأمين المباني.

ولن ننكر أن التدريب الذي خضعوا له بسيط جدا ولا يتناسب مع الحجم الهائل من الأعباء الكبيرة الملقى على كاهلهم، ولن ننكر كذلك الدعم المخجل جداً من قبل منظمات المجتمع الدولي على الرغم من المناشدات العديدة وتوجيه الرسائل إلى محافل دولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة لتسليط الضوء على ما يواجهونه من أخطار جراء تعمد استهدافهم من قبل روسيا والنظام، لكن تلك الجهات اكتفت بالسماع، ولم تتخذ أي خطوات لدعمهم أو على الأقل منع استهداف عناصرهم.
 

عندما نتكلم عن كل هذا الإنجاز العجيب والرهيب من رحم ثورة عانت ومازالت لست سنوات متواصلة من قصف وتهجير وحرمان وتجويع وتعذيب جعلت من الأرض السورية الطيبة أخطر مكان على وجه الأرض، فإننا لا نستغرب أن تطوي آلة القصف ببراميلها المستشفيات والمراكز الصحية وأن تجعل ممن هبوا للنجدة ضحايا وشهداء ألى جانب من جاءوا لإنقاذهم فلن ننسى أكثر من مئة وأربعين شهيد من أصحاب "القبعات البيضاء" منهم تحت الاعتقال والتعذيب ومنهم تحت القنص ومنهم تحت استهداف القصف المتعمد.

ومع كل ذلك ترى أن آلة القصف تأخذ الموافقات السرية للاستمرار دون توقف، مختبئين تحت عباءة التنديد والقلق وعدم الرضى وفتح التحقيقات وما شابه، فقصف رجال الدفاع المدني جريمة ضد الإنسانية، كان يجب على مجلس الأمن إحالتها للمحكمة الدولية، ولكن نعم، لقد نسيت حقاً! أن مجلس الأمن نفسه متواطئ ضد السوريين بخزعبلات وتبريرات سخيفة توضح كمية العجز المخجل والمهين لهم.

لن أتكلم أكثر عن آلة القصف والسياسة السوداء المشربكة والمتعمدة لتخطي حل الأزمة المستمرة في سورية، فلقد أصبحت واضحة وجلية للعيان أن السياسة وآلة الحرب ضد (سورية) هي درس قاسي لمن سينطق بالحق ويخرج عن قيود الغرب وأن الكاميرات والإعلام هي لعالم أصم وأعمى لا يجيد سوى الدعاء ونظرة بحسرة، إلى أن نسى القضية تماماً.

كل هذا وأكثر من تضحيات مبذولة ودموع منهمرة وغبار ودم لم ينفض بعد عن ثيابهم، لم تشبع وترضي هؤلاء أصحاب نوبل للسلام


ما بين آلة الحرب التي تقتل كان هناك يد تمتد لتنقذ وتبكي دماً وحرقة لطفلة خرجت حية من بين الأنقاض، لا ننسى المشهد الذي عبر عن مدى العاطفة التي يحملها هؤلاء الأبطال في قلبوهم وجوارحهم، ذاك المشهد الذي هز مشاعرنا جميعاً لأبو كفاح وهو عنصر من الدفاع المدني وهو يجهش بالبكاء عند حضن طفلة لم يتجاوز عمرها الشهر الواحد من تحت ركام المنزل الذي تم استهدافه بطائرات الروسية وذاك بعد ساعتين من العمل المجهد والدؤوب ومعبراً عن فرحته الكبيرة وفخره مع بقية العناصر.

سيدي القارئ، أبو كفاح البطل هو مثال بسيط ذو معنى كبير عن باقي أفراد الطاقم "أصحاب الخوذ البيضاء"، فلكل شخص منهم قصة وعبرة كبيرة ظلت وستظل مخلدة في أذهاننا جميعا وبصمة عميقة في قلب سورية النابض فهم الذين ساهموا بإنقاذ الآلاف عبر ١٢٠ مركزاً منتشراً في عدة محافظات.

كل هذا وأكثر من تضحيات مبذولة ودموع منهمرة وغبار ودم لم ينفض بعد عن ثيابهم، لم تشبع وترضي هؤلاء أصحاب (نوبل للسلام) بل اكتفوا بمنحهم جائزة نوبل البديلة أو لنقل انها نوبل الظل، هؤلاء لم يتم منحهم جائزة نوبل للسلام لأنهم أكبر منها وهؤلاء هم من يمنحون السلام سيبقون أسطورة متجسدة تحمل كل السلام والإنسانية على الأرض السورية.
 

كل الفخر لهم ولإنجازاتهم العظيمة، ونُقَبلُ جباههم المدمية والمغبرة، ستبقون أنتم الأمل دائماً

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة