محمود هدهود
محمود هدهود
551

بين الأكراد وتركيا: دروس سياسية

1/11/2016
"ليس للكردي إلا الريح، تسكنه ويسكنها.. وتدمنه ويدمنها.. لينجو من صفات الأرض والأشياء."
محمود درويش

لا تحتاج إلى أكثر من أن تكون إنسانا كي تتعاطف مع القضية الكردية، أما أن تكون عربيا اليوم، تعاني الشتات والقصف والانكسار في سوريا والعراق واليمن وليبيا، فضلا عن مأساتنا الأزلية في فلسطين، فهي فرصة لتنفذ إلى أعماق المأساة الكردية. فإذا كان العرب قد خسروا الوحدة في "سايكس-بيكو"، فإن الأكراد قد خسروا الوجود ذاته في "لوزان" ولم يبق لهم بحق "غير الريح" كما قال درويش.

الأكراد وضعوا أنفسهم مع العدالة والتنمية في معادلة صفرية عندما تسببوا في خسارة الأخير قدرته على تشكيل الحكومة في انتخابات يونيو/حزيران 2015.
وُزع الأكراد على إثر ضياع دولتهم المنشودة التي حلموا بها على إثر انهيار الدولة العثمانية، بين ثلاثة بلدان، أضيفت إلى وجودهم السابق في إيران. وفي كل بلد من تلك البلدان، لم ينل الأكراد غير الازدراء والتنكيل، بل والإبادة. لم يعامل الأكراد في تركيا والعراق وسوريا، فضلا عن إيران، كمواطنين من الدرجة الثانية، بل كأعداء محتملين يجب كبتهم والتنكيل بهم في كل فرصة.

جرد الأكراد من الجنسية السورية، ومن حقوقهم المدنية في سوريا تبعا لذلك، في عام 1962، أما في تركيا فكان نصيبهم من القصف وفيرا، خاصة بعد نشأة حزب العمال الكردي الراديكالي بقيادة عبد الله أوجلان، إلا أن هذا القصف لم يبلغ على كل حال جنون حملة الأنفال التي شنها صدام حسين ضد الأكراد عام 1988. ولم يكن حال أكراد إيران، سواء قبل الثورة الإسلامية أو بعدها، بأحسن من حال إخوانهم في البلدان الأخرى.

يتعرض الأكراد اليوم في شمال سوريا وجنوب تركيا إلى قصف تركي ضارٍ، وتضييق أمني عدائي ضدهم في ديار بكر وغيرها من المحافظات التركية، وهو قصف مدان بالطبع، ويجب إيقافه بأي ثمن، بعد إيقاف انتهاكات الآخرين كذلك، بما فيهم الأكراد أنفسهم، في سوريا كذلك. إلا أن اختزال المشهد باعتباره فاشية تركية ضد الأكراد البائسين، وإن كان هو جزئيا كذلك بالفعل، يخفي دروسا على الجميع، وفي طليعتهم الأكراد، ألا يفوّتوها.

علينا أن نرجع قليلا إلى الوراء لاكتشاف جذور المشهد الحالي، وتحديدا في 2009، عندما بادرت حكومة العدالة والتنمية، التي عرفت منذ انتخابها بتبني مقاربة مختلفة للمسألة الكردية عن سابقاتها، بعدة إصلاحات بخصوص الحقوق الثقافية للأكراد، فأطلقت أول قناة كردية ناطقة بالتركية "TRT6" عام 2009، واستمرت تلك المبادرات والمفاوضات السرية التي خاضها رئيس المخابرات التركية، وتكللت بإعلان عبد الله أوجلان من محبسه في مطلع 2013 دعوته إلى إلقاء السلاح وحل المسألة الكردية سلميا.

كان العدالة التنمية يدرك أنه سيدفع ثمن مقاربته تلك للقضية الكردية. في مقابل سد أحد أبواب تدخل المؤسسة العسكرية وحليفتها القضائية في السياسة، وتأسيس تركيا جديدة يصوغها العدالة والتنمية وفقا لرؤيته المركبة، كان يعلم أنه سيصطدم بتلك المؤسسات، وأنه سيخسر قطاعا قوميا محافظا من قاعدته الشعبية. كان من المنتظر إذن أن يدفع الأكراد نصيبهم من تلك الصفقة، عبر تعويض المفقود من تلك القاعدة، أو دعم العدالة والتنمية سياسيا على الأقل.

لكن الأكراد وضعوا أنفسهم مع العدالة والتنمية في معادلة صفرية عندما تسببوا في خسارة الأخير قدرته على تشكيل الحكومة في انتخابات يونيو/حزيران 2015، بل وقدم حزب الشعوب الكردي الذي دخل البرلمان ممثلا للأكراد نفسه كعدو لدود للعدالة والتنمية. وقتها قلت أن الناخب الكردي قد حطم نفسه إذ اختار أن يعادي الجميع. وأكثر من ذلك، اختار صلاح الدين ديمرطاش رئيس الحزب ونجمه الإعلامي أن يذهب إلى روسيا في ذروة الأزمة التركية الروسية، في تصرف استفزازي، يمكن أن ينظر إليه كثير من الأتراك كخيانة وطنية؛ وكان يمكن ألا يكون ذلك.

السياسات العنيفة التي اتخذها العدالة والتنمية ضد الأكراد منذ 2015 تحديدا، كانت سياسات متوقعة بالفعل، ودون كثير من التجمل، كانت خيارا سياسيا لا مفر منه.
كان الزهو قد أصاب الأكراد بعد صمودهم في عين العرب/كوباني، وتحديدا بعد أن اختارتهم أمريكا ليكونوا ذراعا لها في سوريا. صحيح أن تركيا كانت مدعوّة إلى المشاركة في المعركة دفاعا عن الأكراد، لكن صحيح أيضا أن العدالة والتنمية لم يكن يملك قرار التدخل هناك وحده، كما ظهر لاحقا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. المهم أن الأكراد اختاروا أن يصطدموا بالعدالة والتنمية، واختاروا أيضا أن يثقوا بالولايات المتحدة.

السياسات العنيفة التي اتخذها العدالة والتنمية ضد الأكراد منذ 2015 تحديدا، كانت سياسات متوقعة بالفعل، ودون كثير من التجمل، كانت خيارا سياسيا لا مفر منه إذا ما أراد العدالة والتنمية الحفاظ على أغلبيته الحكومية من جهة، وحماية تركيا الجديدة كما يتصورها، عبر استعادة الشرائح القومية الأكثر تطرفا إلى قاعدته التصويتية، وضمان ثقة تركيا شعبا ومؤسسات في حماية حكومة الحزب للدولة التركية.

يمكن أن يلوم الأكراد اليوم تركيا، أو ديكتاتورية أدروغان، أو الرأسمالية والاستهانة بالمواطنة وحقوق الإنسان، وبالطبع نشاركهم في لوم كل هؤلاء. لكن واقعيا، عليهم أن يلوموا حليفهم الذي اختاروه، وهو الولايات المتحدة، وأن يتذكروا أن شعاراتهم اليسارية وأحلام تشومسكي الضالة بيوتوبيا اليسار التي يصنعها الأكراد في سوريا، لا محل لها من الإعراب في السياقات الحالية التي كانوا هم أحد صُنّاعها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة