إسماعيل ياشا
إسماعيل ياشا
1 k

ماذا تأمل تركيا من ترامب؟

11/11/2016
كان هناك رجل وابنه ينامان في البيت، وسمعا صوتا في الغرفة المجاورة، وطلب الرجل من ابنه أن يذهب إلى تلك الغرفة ليتفقدها ويعرف مصدر الصوت. وذهب الابن إلى الغرفة، ولكنه لم يرجع. فناداه والده "ما الأمر؟"، وأجاب الولد قائلا "ألقيت القبض على لص". وبعد ذلك دار بينهما هذا الحديث: الوالد "أحضره هنا"، الولد "لا يأتي". الوالد "اتركه يذهب"، الولد "لا يذهب". الوالد "تعال أنت"، الولد "لا يتركني". هذه النكتة تلخص طبيعة العلاقات التركية الأمريكية في الآونة الأخيرة.

تركيا ألقت القبض على أمريكا متلبسة بمحاولة الانقلاب في الخامس عشر من يوليو / تموز الماضي. وتشير الأدلة والمؤشرات إلى أن واشنطن كانت تتوقع نجاح المحاولة وإزاحة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان من الساحة السياسية، كما أنه لم يكن ممكنا بأي حال أن يخطط زعيم تنظيم الكيان الموازي فتح الله كولن لمحاولة الانقلاب ويديرها وهو مقيم في مزرعة بولاية بنسلفانيا، دون علم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه".

أنقرة تتابع أيضا بقلق واستياء تجاهل الإدارة الأمريكية ارتباط وحدات حماية الشعب الكردية بمنظمة حزب العمال الكردستاني، ودعم الأولى سياسيا وعسكريا، وتمكينها في شمال سوريا، على الرغم من تصنيف الثانية كمنظمة إرهابية، ما يعني أن واشنطن نظريا ترى أنشطة حزب العمال الكردستاني إرهابية وتستنكر هجماته الدموية ولكنها عمليا تدعمه ضد تركيا ولو تحت مسميات مختلفة.

ترامب بعث رسائل إيجابية إلى تركيا في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز أجريت بعد أسبوع من محاولة الانقلاب الفاشلة.
السياسات التي تبنتها الإدارة الأمريكية في عهد أوباما تجاه قضايا الشرق الأوسط تتعارض مع مصالح تركيا، بدءا من التفاهم الإيراني الأمريكي، والوقوف إلى جانب حكومة بغداد الطائفية، وغض الطرف عن انتهاكات الميليشيات الشيعية حتى دعم وحدات حماية الشعب الكردية ورفض إقامة مناطق آمنة وفرض حظر الطيران في شمال سوريا لحماية المدنيين، بالإضافة إلى مواقف واشنطن من بعض القضايا الداخلية، مثل قضية الكيان الموازي ودوره في محاولة الانقلاب. ويدفع كل ذلك معظم الأتراك إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لا تريد خيرا لتركيا.

تركيا وأمريكا حليفان استراتيجيان، وكلتا الدولتين عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ولكن تعاطي واشنطن مع ملفات متعلقة بالأمن القومي التركي يظهر أنها لا ترى أنقرة كحليف، وأن العلاقات التركية الأمريكية ليست على ما يرام، بل هناك تعارض كبير بين خطط واشنطن ومصالح تركيا، وكلتا الدولتين منزعجة من موقف الأخرى، وما يخيِّم على علاقاتهما الثنائية حاليا هو عدم الثقة. ومع ذلك، تستمر العلاقات بينهما، وتعقد اجتماعات التنسيق، ولا تبدو في الأفق رغبة في فك الارتباط.

الآن، بعد فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية، "هل يمكن أن يحل الرئيس الأمريكي الجديد الأزمة التي تشهدها العلاقات التركية الأمريكية؟" يطرح الأتراك هذه الأيام هذا السؤال ويبحثون عن جوابه، إلا أن سقف توقعاتهم ليس عاليا، لاعتقادهم بأن المصالح الأمريكية هي التي تحدد مواقف واشنطن، وليست توجهات الرئيس. ومع ذلك، يأملون من ترامب، على الأقل، أن يسلم زعيم الكيان الموازي فتح الله كولن إلى تركيا، نظرا لدعم جماعة كولن حملة المرشحة الديمقراطية ضد المرشح الجمهوري، كما يأملون منه أن يدرك أن مكافحة تنظيم إرهابي لا يمكن أن يتم من خلال التحالف مع تنظيم إرهابي آخر بحجة أنه يقاتل ضد الأول.

كبير مستشاري ترامب في شؤون الأمن والاستخبارات، الجنرال مايكل فلين، المرشح لتولي وزارة الدفاع في الحكومة الأمريكية الجديدة، نشر يوم الثلاثاء مقالا في موقع "ذي هيل" الأمريكي، بعنوان "حليفتنا تركيا في أزمة وتحتاج إلى دعمنا"، ولفت فيه إلى مدى أهمية تركيا للمصالح الأمريكية، منتقدا احتضان الولايات المتحدة لفتح الله كولن، ووصفه بــ"أسامة بن لادن تركيا"، ثم تساءل: "ماذا كنا نفعل لو سمعنا بعد 11 سبتمبر أن أسامة بن لادن يعيش في منتجع جميل في تركيا ويقوم بتشغيل 160 مدرسة يتم تمويلها من ضرائب المواطنين الأتراك؟"

ترامب نفسه بعث رسائل إيجابية إلى تركيا في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز أجريت بعد أسبوع من محاولة الانقلاب الفاشلة، وقال فيها إنه لا يعتقد أن محاولة الانقلاب مسرحية، مضيفا أنه يثمن قدرة أردوغان على دحر هذه المحاولة.

كما كتب في أغسطس / آب المضي تغريدتين في حسابه بموقع "تويتر"، قال فيهما إن لديه شواهد تدل على أن ضباطا في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية دعموا محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وأضاف أن إدارة أوباما الفاشلة هي التي أدت إلى هذا الخطأ الفادح الذي يمس مصالح أمريكا، واعدا بكشف أسماء هؤلاء الضباط قريبا.

هذه التصريحات مهما كانت تعزز آمال الأتراك في معالجة بعض المشاكل التي تعاني منها العلاقات التركية الأمريكية، إلا أن الأفضل عدم الاستعجال في الحكم، وتجنب المبالغة في التفاؤل، وانتظار الخطوات الملموسة من ساكن البيت الأبيض الجديد نحو تصحيح أخطاء إدارة أوباما في الملفات المتعلقة بالأمن القومي التركي.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة