ياسر السيد عمر
ياسر السيد عمر
353

تسرب الماء إلى القارب!

15/11/2016
كانت تخطو أولى خطواتها نحو ذلك القارب، في طريقها إلى المجهول، عندما سمعت بالخبر: ترامب رئيساً للولايات المتحدة!
 

ماذا تفعل؟ هل تعود أدراجها نحو أرض هدّها القصف، وأتعبها صوت أزيز الطائرات، أم تكمل رحلتها نحو جزء من العالم لم تعلم عنه شيئاً سوى أنهم أشاروا عليها بالتوجه إليه.

كل الأشياء تتحرك، وكل الثوابت تتغير، وكل من حولها جمادات تتحرك بقرار خارجي، لا بوازع داخلي.

هي لا تملك كثيراً من الخيارات، إذ لم تعد تملك أرضها، ولا بيتها الذي هدّمه رئيسها بموافقة من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق، ولا حتى تملك ما تطعم به صغيرتها الوحيدة.

لم تستطع في تلك اللحظة أن تربط بين الخبر والحدث، ما علاقة ترامب برحلتي إلى أوروبا؟ وما علاقتي بأمريكا؟ أنا الشابة التي لم أستطع إكمال دراستي الجامعية، ولا حتى إتمام حياتي الجميلة مع زوجي الشهيد، ولا حتى الحفاظ على عائلتي التي شردتها الحوادث!

كل الطرق بدت مغلقة في عقلها، لا أرض تستظل ظلها، ولا قريب يحتضنها، ولا ديمقراطية زائفة بلهاء تتكئ عليها!

في تلك الدوامة، وفي عرض البحر، بدا وكأن العالم لم يعد ذلك العالم الذي اعتادت عليه، كل الأشياء تتحرك، وكل الثوابت تتغير، وكل من حولها جمادات تتحرك بقرار خارجي، لا بوازع داخلي.

أيهما يشغل بالي أكثر، بلدي الذي اغتصبه حارسه، أم مستقبلي الذي ضاع بين هذه الأمواج، ولم أعد أجد دليلاً عليه؟ قريتي التي هجرتها كبقية السكان، أم طفلتي التي لم تتعلم بعد نطق الكلام؟

رأسي يدور ويموج كدوار هذا البحر المائج شديد الخطورة، ومستقبل مجهول يحوم حول رأسي كشبح يخوفني الموت تارة، والتشريد تارة أخرى.

ماذا سيحصل لي، وماذا سيحل بطفلتي؟ وماذا عن عائلتي؟ هل من لقاء قريب! أم انتهت جمعاتنا الجميلة، ودخلت في درج النسيان، مع جواز سفري القديم؟

لم تعد كل الطرق تناسبني، بل غدت نفسي تخاف التقدم خطوة أخرى، خشية أن تكون نهايتي المحتومة هناك!

أي عهر هذا الذي يحيط بهذا العالم، وأي قذارة تلك التي ما زلت تتربص بأوطاننا، وتكيد لها.

لماذا لم أمت في بلدي، ومع زوجي؟ أما كان أفضل لي من هذا الجحيم الذي أعيشه الآن، وهذا الخوف الذي يتربص بي في كل ركن وزاوية!

وماذا عن طفلتي؟ هل كان خطئي يوم قررت إنجابها، والسير بها إلى أبي وأمي فرحاً وزهواً بها، يلاعبانها ويدعوان لها! آه عن طفلتي، أي مستقبل ينتظرنا، وأي أرض تتهيأ لنا، بتنا أيتاماً أنا وأنت، ولم تعد حياتنا كسابق عهدها، دون ذنب اقترفناه!

أي عهر هذا الذي يحيط بهذا العالم، وأي قذارة تلك التي ما زلت تتربص بأوطاننا، وتكيد لها. أنا وأنت معاً، في منتصف هذا الموج.. يعصف بنا هنا وهناك، ولا ندري إلى أين سيقذف بنا!

صلِّ يا ابنتي، وادعِ لوالدك الشهيد، وادعِ لأمك المكلومة الحائرة الضائعة أن تحنو عليها يد العناية الربانية، وتتلطف بها، فكل ما حولها لم يعد لها..

حلقت بها الأفكار وعلت كما علا الموج بقاربهم المطاطي، وهي تهدهد طفلتها وتمسح على جبينها.. وفجأة تناهى إلى مسمعها ضجيج أناس على الطرف الآخر من القارب، وهم يبكون ويصرخون: تسرب الماء إلى القارب.. تسرب الماء إلى القارب!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة