قصص من الشارع

16/11/2016

كثيرة هي المواقف التي تصادفنا كل يوم، بعضها يؤلمنا ويجرحنا، لكن ما باليد حيلة، فتغيير الواقع أصبح شبهة نحاكم عليه، قصص في الشارع لأناس يعيشون الإنسانية بحق، لكنهم هم -أبناء الشارع- أحياء ونحن الأموات.. أموات بماذا؟ لنتابع..
 

والد وابتسامة:
إنه يوم الأحد، وكعادتهم يفترش الباعة المتجولون أحد شوارع ضواحي بيروت البائسة، ليبيعوا الملابس والأدوات المنزلية المستعملة، ذاك اليوم لم يكن عادياً بالنسبة لـ "أحمد" "اسم مستعار".
 

انتهت تلك الدقيقة وأضيء اللون الأخضر، انطلقت المركبات وانطلق معها الطفلان، لمحتمهم بمرآة السيارة يركضان بين المركبات، الطفل ما زال يبتسم، والطفلة ما زالت قوية.

في الصباح الباكر، اصطحب طفله الصغير إلى السوق، تعمشق الطفل بقدم أبيه وبدأ التجول في ذاك السوق الشعبي، يبحثان عن شيء يكسيهما ليخفف عنهما برد الشتاء القادم، يمنة ويسرة تجول أعينهم ولكن لا شيء حتى الآن.
 

فجأة وجد "أحمد" ضالته، اقترب منه وسحبه، كان معطفاً جديداً بين عشرات القطع المهترئة. استدار تجاهي وأنا الذي كنت أرقبه من بعيد، رسم على وجهه ابتسامة عريضة، وكأن كل هموم الدنيا قد انتهت، ارتدى المعطف وبدأ بتفحصه، ينظر إلى يديه وجسمه، ربما كان مستغرباً وغير مصدق من شدة الفرح، فالمعطف يلائمه تماماً، وكأن الصانع صنعه له.

لم يكن أحمد الوحيد من ابتسم، فقد كانت عينا طفله الصغير تنظران إلى الأعلى، باتجاه أبيه، عينان أحستا بحجم الفرح الذي اختلج قلب أبيه، عينان شكرتا الله على ما أنعمه عليهم، ذاك اليوم كان أحمد بعمر طفله، وابنه "الطفل" كان أباً كبيراً أراد إسعاد ابنه.
 

بين السيارات:
إشارة حمراء، توقف مركبات عن السير، وتنذر غيرهم للبدء بالعمل، مشردون يتسولون وغيرهم بائعون، محارم ورقية، زجاجات مياه، وربما أقراص مدمجة، دقيقة واحدة هي مدة عملهم، أطفال ونساء، رضعٌ وذوو احتياجات خاصة، جميعهم بين المركبات يتنقلون، البعض يسيء إليهم، وآخرون يشفقون على حالهم.
 

ولكن طفلاً بائعاً من بينهم لم يكن عادياً، ابتسامة على ثغره المتسخ، يتنقل بين مركبة وأخرى، يسأل هذا وذاك، من يشتري منه "علبة محارم"، ينادي "ألف ليرة ثمنها"، ثم يعيد "من يشتري مني، من يريد؟"، ناداه سائق ليشتريها، فشكره الطفل وانطلق مسرعاً ليبيع غيره.
 

وفي الجانب الآخر من الطريق، فتاة سمراء لم تكن عادية هي الأخرى، صغيرة هي، تتكئ على عكازة بسبب إصابة بقدمها، تبيع "محارم" أيضاً، أراد سائق أن يعطيها مالاً دون أن يشتري منها، فرفضت، قائلة "أنا لا أتسول، خذها أرجوك".

انتهت تلك الدقيقة وأضيء اللون الأخضر، انطلقت المركبات وانطلق معها الطفلان، لمحتمهم بمرآة السيارة يركضان بين المركبات، الطفل ما زال يبتسم، والطفلة ما زالت قوية.
 

سأنام هنا:
في الشارع، قرر أن ينام، على الرصيف هناك، لم يأخذ جنباً أو زاوية، بل في وسط الرصيف، لم يستح أو يختبئ، ولكنه اتخذ قراره، لماذا اتخذ هذا القرار لم أعرف، ربما جبنٌ مني أن لا أسأله.
 

فجأة قام بخطوته وافترش الرصيف، قطعتان من الكرتون فرشهما أسفل منه ونام نوماً عميقاً؛ كان رجلاً خمسينياً، لم تشر ملامحه ما جنسيته ولكنه في الغالب لاجئ سوري إلى لبنان، تفاجأ المارة بتصرفه، ذاك يصرخ عليه وغيره تجاهله مكملاً طريقه، لكن أحداً لم يسأله لماذا قطعت الطريق علينا، جميعهم تجاوزه فقط، لكنه هو في فعلته تلك، قد غرس في قلبنا جرحاً يحدثنا عن كرامتنا الشبه مسلوبة، وكبرياءنا المتضائل أصلاً ونخوتنا المهشمة بفعل تكرار المشهد.. وللقصة بقية..

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة