بشار طافش
بشار طافش
431

فلسفة القتل والتفاؤل

18/11/2016
واقع مرير نعيشه اليوم بكل تفاصيله وآلامه رغما عنا؛ لكن كي نعود إلى توازننا ونمضي في الحياة التي أجمل ما فيها أنها تعاش بحلوها، ورغم كثرة القتل والتقتيل فيها! إلا أنها ما زالت تعاش، لا بد من التعاطي مع هذا الكم الهائل من القتل وقطع الرؤوس وتناثر الجثث اليومي الذي يبدو أنه مفرط الجنون لا نهائي.

نحن بصدد تغيير نظرتنا لهذه اﻵلام والفظائع كي نستمر في العيش مع قدر ضئيل من التشاؤم والسوداوية، حياة سنورثها مرغمين ﻷجيال قادمة لكن مع قدر ضئيل من السوء أيضا، كيف لنا ذلك؟ هاؤكم.

لا أعتقد بأنه أمامنا كعرب أن نمر بعصر الظلام حاليا، تلك الـ 500 سنة الإضافية مع حربين عالميتين اثنتين حتى نتمكن من إنتاج إنسان عربي يشبه اﻹنسان الأوروبي.
لنتفق على أمرين اثنين قبلا، أما اﻷول فهو أن الكون بني على التغير، والتغير هنا ليس التبدل بقدر ما هو عدم الثبات على حال - أي حال يخطر على بالك- لذلك فالآلام الهائلة التي تعتري الكرة الأرضية اليوم لن تدوم إلى اﻷبد.

والثاني هو أن الكون بني أيضا على التوازن، فبعد الانكماش انفراج والعكس، وبعد الحرب سلم والعكس، وبعد التشتت تكتل والعكس، وبعد التنافر توافق والعكس، وبعد التأخر تقدم والعكس، وبعد الفقر غنى والعكس، لا يمكن أن تجد وضعا إنسانيا دون مقابل عكسي له، وهذا ما ستلاحظه عزيزي خلال تتبعك للتاريخ، وستجد عزيزي القارئ اﻷمثلة المحكمة على ذلك فيما لو تتبعت هذا التاريخ بينما تضع نصب عينيك هذين اﻷمرين اللذين يميزان كوننا.

هذه مقدمة بسيطة رميت من ورائها إلى أن أزودك عزيزي بجرعة خفيفة من التفاؤل قبل الجرعة اﻷكبر منه، هذه الأخيرة تتعلق مباشرة بتاريخ أوروبا كمثال واضح.

فأوروبا مرت بفترة عصور أطلق عليها "العصور المظلمة" والتي امتدت من سنة 400 إلى 1400 ميلادي، أي ألف سنة من عصر الظلام الذي امتاز بالجهل وانتشار الخرافة، والتعصب، والتقوقع، والحروب، والصراعات، والهوس الديني، وسيطرت الكنسية على الحياة المدنية والسياسية، لقد وصف المؤرخ اﻹنجليزي "جيبون" هذه اﻷلف سنة بعصر "الهمجية والدين".

فيما بعد قام المؤرخون بتوسيع مفهوم عصر الظلام اﻷوروبي ليشمل انعدام الكتابات التاريخية، وانعدام التطور الحضاري واﻹنجازات المادية، والانحطاط في شتى المجالات، وبدل ذلك تفشى الجهل والتزمت الديني والصراعات بين الشعوب الأوروبية حد الحروب الطاحنة.

يبدو أننا نُخضع حاليا اﻹنسان العربي لمبدأ انتقاء طبيعي، لكن من صنع أيدينا وليس من صنع الطبيعة.
حقيقة لا نريد الخوض كثيرا هنا، لكن يبدو عزيزي القارئ أنك بت تقارن بأننا ربما نمر اﻵن نحن العرب بما يشبه إلى حد بعيد ما مرت به أوروبا من عصور مظلمة، لكن أنا لا أعتقد كثيرا بأنه أمامنا كعرب نمر بعصر الظلام حاليا، تلك الـ 500 سنة الإضافية مع حربين عالميتين اثنتين حتى نتمكن في النهاية من إنتاج ذاك اﻹنسان العربي الذي يشبه اﻹنسان الأوروبي الحالي، لا أعتقد ذلك.

غير أنني أعتقد جازما هذه المرة بأنه ربما أمامنا الكثير لنقدمه من ضحايا بشرية كالخمسين مليون إنسان أوروبي الذين راحوا ضحية الحرب العالمية الثانية مثلا، ومن هنا نشأت لدي رؤية جديدة تتعلق بفلسفة القتل هذه، والتي أعني بها أنه لو بقي الخمسون مليون إنسان أوروبي على قيد الحياة لربما وقفوا بوجه تطور أوروبا وإنسانها الذي نراه اليوم، هنا قدر كبير من قساوة القلب، ربما!

وهذه النظرة الفلسفية، ربما أنها ستنجح في بلادنا بشكل أشد نجاعة، حين نعتقد أن هناك أجيال حالية تربت وترعرعت على الخنوع والذل والانكسار وعبادة الملوك والرؤساء ورجل الأمن، تربت على عبادة البشر أكثر من رب البشر.

هذه الأجيال إن بقيت ستقف في طريق تغيرنا وتقدمنا، وستقف أيضا في طريق أن نصبح بشرا حقيقيين في النهاية طالما بقيت بين ظهرانينا، يبدو أننا نخضع حاليا نحن اﻹنسان العربي لمبدأ انتقاء طبيعي، لكن من صنع أيدينا وليس من صنع الطبيعة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة