علياء العظم
علياء العظم
545

محطات نسائية في ركب الإسلام

24/11/2016

كثيرة تلك الدراسات والدعوات التي تناولت قضايا المرأة المسلمة، سواء تلك الغربية التي تنتقص من قيمة المرأة الشرقية، وتجعل من أختها الغربية نموذجاً يحتذى، أو تلك الدفاعات التي ترد بإظهار مثالية الإسلام حيال قضايا المرأة، فتصطدم ببعض التراث الفقهي الذي نحى الأنثى نحو الصف الإنساني الخلفي.
 

ما رأيكم بتأمل الموضوع؟! نستقي الفكرة من نبع التشريع، ثم نستلهم الفهم من التطبيق في عصر النبوة ومتابعيه، مما نقل عبر المصادر الموثقة! يقول ربنا تعالى "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" النحل 97. لا فرق في الكرامة والجزاء بين ذكر أو أنثى، المعيار الوحيد هو العمل الصالح، فماهي الأعمال الصالحة التي ارتضاها الإسلام للمرأة؟ ربما يكون في استعراض الأمر خلال محطات واقعية أبلغ أثرا، وأعمق إدراكاً:
 

أسماء -ذات النطاقين- أدركت أهمية الهجرة النبوية ودورها في حماية الدعوة، لذلك تسامت على متاعبها الصحية، وتضاءلت أمامها العقبات، لتتشرف بدور في ذلك الموقف الجليل

محطة الزوجة
زوجة يأتيها زوجها مرتجفاً إثر موقف عظيم تعرض له، فتقف جانبه تسانده في أروع مشهد، الموقف هو أعظم حادثة شهدتها البشرية، حادثة بدء الوحي، والزوجة هي السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، أتاها زوجها -صلى الله عليه وسلم- قائلاً لها "لقد خشيت على نفسي" فنطقت بعبارتها الشهيرة "كلا والله مايخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
 

تعالوا نتأمل الأمر، ألم يكن الله بقادر على أن يثبت قلب عبده؟ بلى، ولكنه دور أراده الله للمرأة في حياة البشرية، وفي حياة زوجها، إنها الرسالة الأهم للزوجة، أن تكون السكن الدافئ، واللسان الناصح للزوج. وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ قال "ليتخذ أحدكم قلبا شاكراً ولسانا ذاكراً وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان.
 

محطة الهمة والهدف
شابة حامل في شهرها السابع، تسير في أرض وعرة مسافة أميال ثلاثة ذهاباً، ومثلها إياباً، تحت وهج الشمس المحرقة، وتكرر ذلك ثلاثة أيام، أعرفتموها؟ إنها الصحابية الجليلة أسماء -ذات النطاقين-، تسير من مكة المكرمة إلى غار ثور لتوصل الطعام إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه في حادثة الهجرة.
 

تعالوا ندقق في الموقف، لماذا لم تترك تلك المهمة لرجل؟ لأخيها عبد الله مثلاً وهو الذي كان يأتيهم بالأخبار يومياً، لماذا لم يكن حملها عذراً لعدم القيام بهذه المهمة؟ ولماذا لم تكتف برعاية زوجها وبيتها وأعبائها الكثيرة؟ إنها امرأة أدركت أهمية الهجرة النبوية ودورها في حماية الدعوة وبناء الدولة، لذلك تسامت على متاعبها الصحية، وتعالت على كثرة مشاغلها، وتضاءلت أمامها العقبات، لتتشرف بدور في ذلك الموقف الجليل، قال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة، فقيل لها ذات النطاقين" رواه ابن حجر في الإصابة.
 

محطة التربية وصياغة الشخصيات
أم لها ولد واحد، وزوجها ذهب للجهاد بعد أن ترك لها ثلاثين ألف دينار، إنها التابعية "أم ربيعة الرأي" التي رأت دورها في الحياة تربية هذا الغلام، ورأت الثروة وسيلة لبناء الشخصية، فصرفت وقتها في الإشراف عليه، وحثه على العلم، واستثمرت تلك الثروة الضخمة في بناء شخصيته، حتى يعود الأب فروخ بعد ثلاثين عاماً فلا يجد أثراً مادياً لثروته، بل يجد ابناً عالماً، ينشر الخير والصلاح.
 

أول مفتية فقيهة ومجتهدة هي السيدة "عائشة" أم المؤمنين، التي روت 2210 حديث، ذكر عنها الإمام الحاكم: "حمل عن السيدة عائشة ربع الشريعة"

محطة القضايا العامة
امرأتان تتحملان مشاق السفر للمشاركة مع الرجال في أمر عام، رأسه ديني وجانبه سياسي وأطرافه اجتماعية، سافرتا مع وفد مؤلف من ثلاثة وسبعين رجلاً من يثرب إلى أم القرى للقاء نبي الأمة عليه الصلاة والسلام ومبايعته في "بيعة العقبة الثانية"، كانت المرأتان اللتان شرفهما الله بهذه البيعة هما: أم عمارة "نسيبة بنت كعب الأنصارية" وأم منيع "أسماء بنت عمرو". لماذا لم تتركا الأمر للرجال؟ ولماذا لم تنتظرا استقبال النتائج ثم العمل وفقها؟ لقد أدركتا دورهما المتميز في المشاركة على مستوى القمة، برضا نبي الأمة، للعمل بعدها على تهيئة المجتمع في يثرب، لاستقبال الدين الجديد.
 

محطة المهارات
أم عمارة مرة أخرى التي قالت في غزوة أحد "خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء، فانتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما هزم المسلمون انحزت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عنه بالقوس حتى خلصت الجراح لي.." موقوف، سيرة ابن هشام. لقد كانت محبة الله ودينه ونبيه الدافع العظيم لتلك التضحية، ولكن هل يعقل أنها اندفعت تحمل سيفا ثقيلاً تحركه وتهوي به على أعناق الكفار بحماس طارئ؟ لابد أن الأمر سبقه تدريب وممارسة، إنها استثمرت وقت الراحة، فكانت مستعدة لوقت الشدة.
 

محطة المشاريع
مشروع استراتيجي ورائد في دولة حديثة، صاحبته امرأة، إنه أول مستشفى إسلامي، وهي الصحابية الجليلة رفيدة الأسلمية، كانت تلك المستشفى خيمة في ناحية من نواحي مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تعاونها فيها بعض الصحابيات، أنشأتها بعد غزوة بدر لتداوي الجرحى وتقدم لهم الغذاء والدواء، وأصبحت بعد ذلك خيمة رفيدة علماً ومستشفى ميدانياً تحملها على ظهور الجمال ثم تقيمها بإزاء معسكر المسلمين. أيضاً لنا وقفة! لماذا لم تترك ذلك الأمر للرجال؟ وخاصة أن معظم الجرحى هم من الرجال؟ وأن المستشفى الميدانية تعني أن السفر والتنقل والمشاركة في المعارك أيضاً.
 

الإمام الشافعي كان من ضمن تلاميذ السيدة نفيسة بنت الحكم، أول ما فعله عند ذهابه لمصر أن زارها، وطلب أن يتلقى العلم منها، نعم لم يستح أن يتعلم من امرأة.

محطة العلم
إن أول مفتية فقيهة ومجتهدة هي السيدة "عائشة" أم المؤمنين، التي روت 2210 حديث، ذكر عنها الإمام الحاكم: "حمل عن السيدة عائشة ربع الشريعة"، وقال الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري "ما أشكل علينا شيء صحابة رسول الله فأردنا أن نعرف عنه إلا ورجعنا إلى السيدة عائشة فوجدنا عندها علماً".
 

الحافظ المنذري -الإمام المعروف في الحديث- كان يعد عشرين شيخاً من شيوخه من النساء، "ابن قيم الجوزية" عالم الفقه المعروف يعد من شيخاته عشر شيخاته. الإمام الشافعي كان من ضمن تلاميذ السيدة نفيسة بنت الحكم، أول ما فعله عند ذهابه لمصر أن زارها، وطلب أن يتلقى العلم منها، وقال: "انتظريني حتى آتي بالمحبرة والورقة والقلم"، يكتب وراءها؟! نعم لم يستح أن يتعلم من امرأة.
 

محطة بيت النبوة
السيدة زينب -رضي الله عنها- أسلمت رغم امتناع زوجها، ثبتت على دينها وثابرت على دعوته ومعاملته بالحسنى حتى هداه الله للإسلام، والسيدة فاطمة -رضي الله عنها- قامت بدور الراعية والمواسية لأبيها، تجاه أذى المشركين، ثم كانت خير زوجة حيث يقول لهما الرسول صلى الله عليه وسلم "اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما".
 

محطة الركائز الأنثوية المخلدة
إنهن محاضن الأنبياء، أم موسى عليه السلام، زوجته في مدين، امرأة فرعون، مريم ابنة عمران، ومن قبلها أمها، ومن قبلهن جميعاً هاجر التي يحتفل المسلمون في الحج بسعيها الذي خلد في رسالة الله الخاتمة للبشرية.
 

المحطة الأخيرة محطتنا
أختاه معترك المصير يشدنـا   ***    أبداً إلى الغمرات في الميدان
مُدّي يد الإسعاف نحو جراحنا ***   لا تبخلي بلطائف الإحسـان.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة