أماني سنوار
أماني سنوار
5.3 k

ذكورية النساء

27/11/2016

إن قيل في بلادنا أننا نعيش في مجتمع شرقي، فنحن أمام حالة تذمر من العادات والتقاليد التي تميز ضد النساء.. وقد ارتبط المجتمع الشرقي بوصف المجتمع الذكوري، حتى تماهى المصطلحان وأصبحا يساويان المعنى ذاته في لغة الناس المحكية.
 

والمقصود بالذكورية ليس المعنى السطحي الذي تصوره الدراما العربية ومجلات المرأة من تنافس محموم بين الرجال والنساء في الأسرة أو العمل.. إنما نقصد الفلسفة الاجتماعية التي تضم مجموعة من الأفكار والسلوكيات التي ترسّخ لأفضلية الرجل على المرأة، وترى أن تفوقه الجندري يتيح له امتيازات وحقوق لا تحصل عليها الأنثى.. وبالتالي تنشأ الأجيال على فكرة هيمنة الذكور واستضعاف الإناث كأمر واقع ومستَحق.
 

كم من أم حنون لا تُشفق على ابنتها بعد ولادتها لطفلة، فتدعو لها "الله يجبرك بصبي" وكأن أم البنات ناقصة.

الذكورية ليست حكراً على الرجال، بل هي توليفة من الأفكار والسلوكيات التي يؤمن بها الرجال والنساء على السواء، وقد تعزّزها المرأة أكثر من خلال استسلامها أمام الأفكار الذكورية، وزرعها في الأجيال التي تنشّئها، ومن خلال ممارستها للقمع الذكوري ضد بنات جنسها.
 

فكثير من النساء في مجتمعاتنا أكثر ذكورية من الرجال، فتراهن يربّين أبنائهن على ذلك فتطبع شخصية أولادها بشخصية الذكر الذي يبرهن رجولته عبر اضطهاد المرأة، وتعوّد بناتها على الخنوع والرضا بظلم المجتمع.
 

فكم من أمّ شابة ومثقفة، ما زالت تربي أبناءها الذكور على السلبية داخل المنزل والاتكالية على أخواتهم الإناث.. وكم من معلّمة حين تريد معاقبة الطلاب الصغار لا يُسعفها عقلها إلا بإجلاسهم في مقاعد الإناث مع إطلاق سيل من السخرية..
 

وكم من أم حنون لا تُشفق على ابنتها بعد ولادتها لطفلة، فتدعو لها "الله يجبرك بصبي" وكأن أم البنات ناقصة.. وكم من قريبة ناصحة، تدعو لصبية بقولها "الله يستر عليكِ بعريس" وكأن عدم الزواج فضيحة لا تُستر إلا برجُل..
 

هذه السلوكيات اليومية نمارسها بشكل عفوي ومن باب العادة، لكنها تكشف لنا عن الذكورية المعششة في عقول السيدات قبل الرجال..
 

المؤسف أن كثيراً من النساء التي تشتكي من تهميش المجتمع لها، تمارس التهميش ذاته ضد بنات جنسها.. فهذه تريد تعلّم قيادة السيارة، لكنها تصرّ على أن يكون المدرّب رجلاً، وتطلق بكل بساطة حكماً عاماً بأن السيدات "لا يفهمن بالقيادة".. وتلك تختار أن تراجع طبيباً لأن "الطبيبات فاشلات".. وأخرى تُتاح لها فرصة التصويت لسيدة في البرلمان لكنها تختار الرجل لأنه "أقوى" أو أكثر شهرة.. ومع أن كل ما سبق هي خيارات شخصية لا يحق لأحد أن يصادرها، فإن التعميمات التي تنطلق لتبرير الخيارات هي ما يُسيء للنساء لا الخيار بحد ذاته.
 

فقدان المرأة للثقة بنفسها وببنات جنسها، يعود عليها في نهاية المطاف بمزيد من التهميش والإقصاء.. فكم من السيدات المتخصصات يملكن أضعاف الخبرة والكفاءة أكثر من نظرائهن الرجال، لكن إنجازاتهن لا يُحتفى بها وتبقى حبيسة الأدراج.. ففي مجتمع ذكوري؛ يبقى ما تقدّمه المرأة تحت دائرة الشك أو التسفيه من قبل قرنائها الرجال، أو تحت نيران الغيرة والحسد من قبل نظيراتها النساء.
 

وتتلقي الفتاة منذ طفولتها جرعات مكثفة من التربية المشوّهة.. فهنا أمّ تحفزّ طفلتها لتكبر وتصبح "عروساً" جميلة، ويبقى الفستان الأبيض أكبر الأمنيات حتى تكبر.. وهنا قريبات يقنعونها أن شهادتها مصيرها لوحة على جدران المطبخ.. وفي آخر النفق أخصائية أسرية تنهال عليها بنصائح الصبر على الزوج السيء وإهاناته، أو دورات تربوية تقدّمها نساء مريضات تعلّم المرأة كيف تجذب زوجها إلى المنزل بعد اكتشاف خياناته الزوجية، بينما ينبذ المجتمع المرأة الخائنة ويصفها بأقذع الأوصاف.
 

هذه التربية المشوّهة أبطالها نساء وضحاياها أيضاً نساء.. هم إناث وقعوا ضحايا لذكورية المجتمع، لكنهن لم يسعين للتغيير وإنقاذ طفلاتهن وبنات جنسهن من الظلم الاجتماعي العريض الذي يلفهن جميعاً.
 

المديرة في العمل حين تحتفي بإنجازات موظفاتها فهي توطّن المجتمع على قبول المزيد من النساء الناجحات.

وإن كان الرجل مُلاماً في ممارساته الذكورية فإن اللوم الأكبر يقع على عاتق المرأة.. فهي نصف المجتمع والطرف المسؤول عن زرع الأفكار والقيم في وجدان النصف الآخر، ومن غير المنطقي أو المفهوم أن تشارك المرأة في الترسيخ لظلم وتهميش بنات جنسها.
 

فإن كان جيلنا ما زال يعاني من وطأة ذكورية الأفكار والقيم، فلماذا لا تربّي أمهات اليوم أطفالهن على المساواة، وتزرع في نفس طفلها أن رجولته تكتمل في رعايته لإخوته الإناث، وأن الحرص على نظافة وجمال البيت مسؤولية يؤديها كل قاطنيه، وأن الأم حين تعامل زوجة ابنها كابنة فهي تبرّ أولادها وتستثمر في سعادتهم.
 

وأن المديرة في العمل حين تحتفي بإنجازات موظفاتها فهي توطّن المجتمع على قبول المزيد من النساء الناجحات، وأن الفتاة الناجحة حين تأخذ بيد صديقتها نحو الإنجاز لن تقلّص من حظوظها الشخصية؛ بل ستخلق مجتمعاً أفضل يتّسع للجميع.. وأن ثقة السيدة في منزلها بنفسها وببنات جنسها، أفضل ألف مرة من شكاية ظلم المجتمع وإعادة إنتاج هذا الظلم ضد من هم أضعف منها من النساء.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة