علي حسن أبو رزق
علي حسن أبو رزق
2.2 k

الاستبداد يفسد أخلاق الشعوب

28/11/2016

"مثل عنا بالضبط" تكاد تكون أكثر العبارات المستخدمة من قبل رواد وسائل التواصل الاجتماعي العرب عند تناقلهم صورة أو فيديو يظهر خلقا رفيعا قام به أحد المسؤولين أو المواطنين في أوروبا، معظم التصرفات التي تحملها هذه الفيديوهات هي تصرفات من المفترض أنها عادية، يقوم بها كل مسؤول أو مواطن عنده سوية من أخلاق فلم هذا الاستغراب إذا؟

أمام مصعد الطائرة قبل أربع سنوات من الآن أوقفني ضابط رفيع، يحمل على كتفيه نجمتين ونسرا واحدا يتوسط النسر صورة لعلم الوطن، يخبرني أنه غير مسموح لي بالسفر لأني أحمل مبلغا زائدا، لم يعد زائدا بعد إرضائه ببضعة دولارات، ولم يكن المبلغا يساوي شيئا، أصر على أن يأخذه بصورة خسيسة، ذلك المشهد للضابط الذليل لن أنساه.

الاستبداد ليس فقط يضعف أخلاق الشعوب الحسنة أو يفسدها بل حتى أنه يمحوها

مشهد آخر لرجل دين تتوسط رأسه عمّة كبيرة، كل ما يرتديه ينبئك أنه رجلا وقورا صاحب هيبة، هيبة ما يلبث أن يفسدها حديثه في كل فضائية تلفزيونية يظهر عليها، حيث أن مهمته هي التصفيق والتبرير، في قرارة نفسه يعلم أنه منافق كبير، بل يعلم أن ما "قذارة" ليس إلا، ولكنه يقنع نفسه دائما بأن "الحياة صعبة وأكل العيش مر"، وأنه لا مفر من فعل ذلك حتى يجد له مكانا في ذلك السلّم الذي يتقن صعوده جيدا المنافقون والمتسلقون.

شاب جامعي في مقتبل العمر يحفظ منذ صغره نشيد العلم، كان يريد أن يكون أحد الأعمدة التي ينهض بها وطنه وأمته، متفوق في دراسته ولكنه ليس كذلك في بره لوطنه، ترهقه مشاهد الظلم والقهر في بلده، يرى زملاءه من بعيد ينشدون للحرية، دعاه صديقه يوما للخروج معهم، كان صدى صوت صديقه قويا لكن صدى كلمات أبيه "الحيطان ليها ودان" و "أمشي الحيط الحيط وقول يا رب الستر" كان أقوى.

لي صديق عرفته في جزيرة قبرص قبل سنوات، كانت تصيبه حساسية مفرطة كلما رأى ورقة ملقاة على الأرض، إذا مشى في شارع لا يبقي ورقة على الأرض ولا يذر، قال لي أن هذه الحساسية لا تصبه إلا إذا كان خارج الوطن، سألته مرة عن السبب فقال لا أعرف، أفهم جيدا السبب كان يعيش في بلد يحكمها نظام مستبد بالمناسبة.

خبر على أحد الصحف المحلية قبل أيام، ربة بيت تشكو لصديقتها في سيارة عمومية ضنك عيشها الذي سببه موجة ارتفاع الأسعار، تصرخ امرأة ثالثة وتصر على أن يتوقف السائق أمام أحد مراكز الشرطة، تنزل المرأة وتطلب من الشرطي أن يفتح محضرا بتهمة أن هذه المرأة تختلق جوا تشاؤميا في البلد، يكون لها ما أرادت ويتم حبس المرأة المسكينة على ذمة التحقيق.

عينة من مشاهد يومية في بلد ليس من الصعب أبدا أن تستدل على نظام الحكم فيه، فأي بلد فيه عشرات الآلاف من المرتشين ومثلهم من المنافقين والمخبرين والمتسلقين والجبناء واللاغيورين وعديمي الانتماء هي بلد يحكمها نظام مستبد بامتياز أكانت من بلاد الشرق أو الغرب، أكانت من بلاد العرب أو حتى بلاد العجم، هذه صفاتهم وأخلاقهم قبل مائة عام والآن وحتى بعد ألف عام.

ومما قاله عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد - قبل مائة عام - أن الاستبداد ليس فقط يضعف أخلاق الشعوب الحسنة أو يفسدها بل حتى أنه يمحوها، كما أن المحافظين على أخلاقهم والمنافحين عن قيمهم في هذه البلاد لهم وصفات غير أخلاقية جاهزة عند حاكمها المستبد.

الاستبداد يفسد أخلاق الشعوب فيجعل من متدينيهم منافقين، ومن مثقفيهم جبناء ومتسلقين ومن حماة أمنهم قتلة وأذلاء ومرتشين

فالذي يطالب بحقه عند المستبد هو فاجر، أما التارك لحقه فهو مطيع، والمشتكي المتظلم لحاله هو مفسد والنبيه المدقق ملحد والخامل المسكين هو الصالح الأمين، فعند المستبد فضيلة النصح هي فضول مذموم والغيرة هي عداوة والشهامة هي عتو، والحمية هي حماقة والرحمة مرض أما في المقابل فإن النفاق هو سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطف أما النذالة فهي دماثة خلق.

نعم إنه الاستبداد الذي رأينا تحت خيبات حكامه آلاف المواطنين من بلد عربي ينزلون إلى الشوارع للاحتفاء بمقتل مئات آخرين من نفس اللغة والعرق واللون والدين بل أنهم من نفس الوطن، نعم إنه الاستبداد الذي جعل مدينة تنظم احتفالات أزياء ومهرجانات راقصة على بعد أميال من مدينة أخرى تحترق منذ سنوات مع أنها من نفس الوطن أيضا.

نعم إنه الاستبداد الذي يفسد أخلاق الشعوب فيجعل من متدينيهم منافقين، ومن مثقفيهم جبناء ومتسلقين ومن حماة أمنهم قتلة وأذلاء ومرتشين. نعم إنه الاستبداد الذي يرفع في أي بلد من قيمة الخونة والمارقين ويجعل لا مكان فيه للمخلصين الصادقين.

لماذا الاستبداد ولماذا الأخلاق بالذات؟ لأن أخلاق الأمم هي سبيل رفعتها ونهضتها إذا حضرت، ألا ترى أنه لما غابت الأخلاق عن أمة خابت هذه الأمة وخسرت بل حتى أنها اندثرت. وقد قال الشاعر أحمد شوقي وردد دائما يقول "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت".

شارك برأيك