العربية والمعرفة.. حكاية قديمة

4/11/2016

السفر فرصة سانحة لتجديد الروح والفكر والاغتسال من أدران التقوقع على الذات، يخفف من أوهام المركزية الكونية المتوهمة، ويجعلنا نكتشف أن للكوكب سكان آخرين، يبدعون ويطورون، وقد يكون أفضل علاج للغرور، وأنجع باعث على الانفتاح، ويحدث أن تهدينا محطات السفر لحظات ملهمة، وتلفت انتباهنا لأشياء وتفاصيل جميلة، وقد تعلق في أذهاننا لقطات ومشاهد خاطفة ونحن ننتظر رحلتنا أو حين نمر بشارع في بلاد بعيدة، أو عندما نتأمل حكاية شعبية من أرض ما.
 

**

ذات انتظار قصير بمطار دبي المكتظ أبدا؛ كنت جالسا في قاعة الركوب لرحلتي نحو الدار البيضاء؛ كنت مرهقا مرهق وكأنني حمال في ميناء نواكشوط بعد يوم عمل ظالم و شاق، فقد وصلت لمطار دبي بعد رحلة طويلة قادما من الفلبين، وأنتظر بشغف وقت الطائرة لأغوص في نومي، تلك خطتي الفاشلة دوما، المهم، أثناء جلوسي، قدمت مجموعة من الأفارقة، خمسة أو ستة، جلسوا بجواري ثم بدأوا حديث شيق، ليس ذلك المميز في جلستهم، بل كانت لغة الحديث هي المفاجئة؛ فالجماعة تتحدث بعربية فصحى جميلة ورشيقة، واكتشفت من حديثهم أن بعضهم من الكاميرون والآخر من نيجيريا واللغة المشتركة المناسبة لحديثهم هي العربية، أسعدني الأمر بالتأكيد، وكان السبب هو أن هناك من اختار أن يتحدث العربية ووجدها لغة مشتركة.
 

بقاء أي لغة وانتشارها هو استمرار لقصة ملهمة من تاريخ الإنسانية، وإثراء مهم للتنوع والتعدد الذي يزيد غناء الإنسان.

كانت سعادتي أكبر لأنهم من خارج الحيز الجغرافي لانتشار هذه اللغة أي "المنطقة العربية"، تلك المنطقة التي يهجر بعض أبنائها العربية نحو لغات أخرى والمحتوى العربي على الإنترنت لا يتعدى الثلاثة في المئة من المحتوى العالمي؛ فالكثير من أبناء الدول العربية ينزعون اليوم للكتابة بلغات غير العربية.
 

الفرح هنا ليس تعصبا للعربية لأنها لغتي، بل لأنها تستحق الانتشار والبقاء؛ كأي لغة بشرية، فبقاء أي لغة وانتشارها هو استمرار لقصة ملهمة من تاريخ الإنسانية، وإثراء مهم للتنوع والتعدد الذي يزيد غناء الإنسان واختفاء أي لغة واضمحلالها كارثة ووبال على الوجدان والفكر البشري.
 

ذكرتني قصة الأفارقة، بوثائقي بالفرنسية يحمل عنوان "يوم تحدث العالم العربية- Lorsque le monde parlait arabe"، أنتج 2001، ويحكي هذا الوثائقي قصة تحول العربية ذات يوم للغة للعلم والفكر، لغة يحتاجها العالم، حيث قام العلماء والمفكرين والنخب التي كانت تكتب بالعربية بعملية انقاذ وتطوير لعلوم من سبقهم، خاصة علوم وفلسفة الإغريق، ويتحدث الوثائقي عن دخول أوروبا في عصور من الظلام بعد سقوط روما سنة 476ميلادية، وفقدان المدن الكبرى لوهجها وتراجع التأليف، وتحول أوروبا لمكان للجهل والقتل والوحشية والتخلف ومعاداة الفكر والعقل، واستمرار ذلك لمدة قرون سبعة مما تسبب في ضياع الكثير من التقاليد الفلسفية والعلمية اليونانية.

لكن تلك المعارف وجدت من يحتضنها بل يطورها ولم يكن سوى المسلمون وأصحاب الثقافة العربية، التعددية والمتميزة بتنوع مصادرها والمساهمين في تطويرها، ويذهب الوثائقي في رحلة ممتعة من مكة لبغداد ومن القاهرة لفاس ومن قرطبة لسمرقند، محاولا الكشف عن كيف حدث ذلك الأمر؟
 

يسرد الوثائقي قصة بغداد كحاضنة للمعرفة ومكانا للتعايش من دون أن ينسى دور مثيلتها قرطبة، فبغداد كانت مدينة فسيفسائية السكان والثقافات، تحتضن العديد من الأعراق والإثنيات، كانت مكانا رحبا لقيم التعايش المشترك، ويتحدث عن تجربة بيت الحكمة ودوره في اثراء وتطوير المعرفة البشرية، وقصة احتضان خلفاء كالمأمون للعلم وأهل الفكر وحمايتهم من رجال الدين التقليديين، ونهم العرب والمسلمين بالمعرفة وعلوم من سبقهم.

مثلا، كانوا حين يعقدون معاهدات سلام، يشترطون أن تكون المخطوطات ضمن تلك المعاهدات، وعن استفادة الأوربيين لاحقا من ترجمتهم للكتب التي نقلت للعربية، بالإضافة للكتب المكتوبة أصلا بالعربية، ومن علماء ومفكرين كانوا ينتجون بالعربية، مثل: ابن الهيثم، ابن سيناء وابن رشد وغيرهم، ويسرد الوثائقي قصة سيطرة كتاب القانون في الطب لابن سينا على دراسة الطب في أوربا حتى نهاية القرن السادس وقد ترجم الكتاب في القرن 12 الي اللاتينية، القرن الذي أصبح فيه مفهوم الترجمة يعني النقل من العربية إلى اللاتينية.
 

اللغة تفرض نفسها بما يحملها الناطقين بها من شحنات معرفية، أما العنتريات الجوفاء فلا تصنع ازدهارا ولا تغير واقعا.

الفيلم شيق وثري ويستحق التنويه والمشاهدة، وقد تحدثت عن نفس الموضوع وباستفاضة، المستشرقة الألمانية "سيغريد هونكه - Sigrid Hunke"، في كتابها "شمس الله تشرق على الغرب: فضل العرب على أوربا".
 

**

الفكرة هي أن تلك النهضة والأهمية التي حظيت بها العربية آنذاك، كان سببها هو شغف الناطقين بها بنشر العلم والمعرفة والانفتاح على العلوم الأخرى وجلبها من كل بقاع الدنيا المختلفة والمتعددة، لغرض التعلم منها وتطويرها، وعدم الانغلاق والانكماش على الذات، بالإضافة لدعم المعرفة وإشاعة نمط من الحرية الفكرية، كان متطورا في سياق زمنه، وذلك ما جعل العربية لغة معرفة وفكر، يحتاجها كل باحث عن المعرفة؛ فاللغة حين تكون حاملا ووسيطا لنقل الثقافة والعلوم والفكر تفرض نفسها، وحسب إنتاج أهلها والناطقين بها تنتشر، وعكس ذلك يجعلها تضمحل.
 

اللغة تفرض نفسها بما يحملها الناطقين بها من شحنات معرفية، أما العنتريات الجوفاء فلا تصنع ازدهارا ولا تغير واقعا، وأحيانا يكون أخطر شيء على اللغة هم من يدعون الدفاع عنها، حين يتلبس خطابهم بنمط من التعالي على الآخر والترويج لضرورة فرضها عليه من دون أي نقاش ولا حوار، ساعتها تصبغ بصبغة هيمنية تجعلها لغة مكروهة عند هذا الآخر.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة