يونس دافقير
يونس دافقير
1.4 k

في الاشتياق إليك أبي

6/11/2016

سأكتب إليك هذه المرة، لن أدعني أتيه في السياسة والصحافة وما بينهما من حماقات وسخافات، وحتى ما يسكنهما وبينهما من كبوات مشروعة ونجاحات لذيذة.

 

لشهر نوفمبر هذا وقع خاص عندي، لقد شاءت لعنة الصدف أن يكون شهر عيد مولدي، وفي نفس الوقت ذكرى رحيلك المباغث. وحتى في هذه كنت لبقا كما عهدتك، لم تنغص علي فرحة "سنة حلوة يا جميل"، أمهلتني ثلاث أيام، وبعدها انسحبت في هدوء.

 

كنت ملاكا يمشي فوق الأرض بشرا، ولذلك كان الرب رحيما بك، لم تمرض، لم تتألم أو تتعذب، رفضت أن يوصلك الزمن إلى تلك اللحظة التي تتقاذف فيها الأيدي هواننا، قلت مع نفسك سترحل شامخا ودون ضجيج، وكذلك فعلت.

 

في كل صيف آخذ الزوجة والأطفال إلى البادية، أريدهم كما كنت تقول أن يكونوا أصحاب هوية، المدينة مكان للعمل وليست مجالا للانتماء

كان الرب رحيما بك، لكنك كنت قاسيا علي. ولا أعرف ما إن كنت تذكر ذلك الثلاثاء الحزين قبل سبع سنوات، لكن تفاصيله ماتزال محفورة في القلب والذاكرة.. تناولت وإياك رفقة والدتي وابنتي وجبة الغذاء، ثم شربنا شاينا السوسي الذي تعشق أن تعده بنفسك. كنت حريصا على طقوس هذه الزيارة الأسبوعية التي أحل فيها ضيفا عليك، ولم أكن أعرف أنها الأخيرة برفقتك، استأذنت منا طلبا لبعض الراحة، تمددت فوق سريرك وجلست غير بعيد عنك ألاعب ابنتي. لحظات فقط كان الرعب أمامي، رأيتك تختنق وقلت إنه المرض، ولم أكد ألحق بك، حتى كانت الروح تصل إلى خالقها.

 

لم أصدق ذلك، قلت فقط إنك نائم أو في غيبوبة، كيف يعقل لمن كان يشرب معي الشاي ضاحكا منتشيا قبل لحظات، أن يموت بهذه المباغثة، لكن الطبيب كان صادما، لقد رحلت فعلا. ولم أبكيك إلا شهرا بعد ذلك، تبلدت أحاسيسي من هول الصدمة، وكنت أعتقد أنك ستعود في أي لحظة. لكنك لكم تعد بعد شهر، وحدها دموعي انفجرت في هيستريا الجنون.

 

لم أكن أبكيك أبا فقط، بكيت فيك الأب والصديق والأخ، وبكيت فيك علبة أسراري وهواني وقوتي، وبكيت فيك تلك الكلمة التي كنت الوحيد الذي يقولها لي وأنا ما زلت طالبا في الجامعة "أستاذي يونس"، هكذا كنت تحب أن تناديني.. وأنا اليوم أنادي ابنتي ملاك أستاذتي وابني عيسى أستاذي.. أراك وأراني فيهما، أري تلك الرسالة الهائلة التي حملتها على أكتافك بدون كلل أو ملل. وكما نجحت أنت أريد أن أنجح أيضا.

 

وعلى ذكر نجاحاتي. لا أعرف ما إن كانت تصلك أخباري هناك، يقولون إني أصبحت ناجحا، صرت صحفيا سياسيا مشهورا يتحدث في التلفزيونات والإذاعات ويكتب في الصحف والمواقع الإلكترونية. بعد رحيلك صرت رئيس تحرير، ثم محللا سياسيا، وأخيرا مدونا لديه قراؤه في مجموع العالم العربي.

 

وكما كنت تشتهي دائما، صرت كبيرا في العائلة، أهل البادية يطلبون لقائي، وكبار العائلة يستدعونني لأفراحهم لأجلس في قلب الصالون وليس في هامشه الذي كانوا يضعوننا فيه حين كنا مجرد فقراء لا يعرفهم أحد.

 

وفي الدار البيضاء الرهيبة يوقفني الناس في الشارع لتحيتي وتشجيعي، ويقصدني آخرون بشكاياتهم، وهناك من يلتقط صورا معي. ولست أتباهى أمامك أو أمام القراء، أنا فقط أخبرك بأن تضحياتك من أجلي لم تذهب سدى.

 

ولو كنت ما تزال على قيد الحياة لأنهكك فرض النظام حين أكون بصدد مرور تلفزي، أتذكر يوم كنت تمنع الحركة في البيت وتحظر الاقتراب من جهاز تلفازنا المتهالك، كنت تضع آلة التحكم عن بعد في جيبك، وتفرض دائرة أمنية حول الشاشة حتى لا تتعطل لحظة ظهوري. كان ذلك في زمن لا يتجاوز فيه مروري التلفزي عدد أصابع اليد، أما الآن فكنت لأتعبك، وكنت لتفرض حالة طوارئ دائمة في البيت، لقد أصبحت أسكن التلفاز، وحتى المذياع كنت لتحتكره الآن، لا يمر يوم دون أن أتحدث في هذه الإذاعة أو تلك.

 

ويؤسفني أن أخبرك أن مهنة أستاذ جامعي لم تستهويني كثيرا، اخترت مسارا آخر أكثر لذة وجاذبية، وربما بسبب ذلك ما زلت أتقاعس في مناقشة أطروحة الدكتوراه التي كنت توصيني بها كل يوم.

 

وأكتب إليك اليوم لأني مدين لك بكل ذلك، بدخلك الذي لا يكفي مصروف جيب لأقرانك أنشأت أسرة، ومن ذلك الدخل الهزيل علمتني حتى أوصلتني مستوى الدكتوراه التي لم يحلم بها أثرياء البلدة. وحتى مصروف جيبك البسيط كنت تتقاسمه معي، وحين لا تجد ما تعطيني إياه كنت تتسلل إلى جيب معطفي كي تضع فيه بعضا من سجائرك.

 

ويحيرني أني لم أرك يوما متذمرا أو غاضبا، دائم الابتسام والتحريض على الصبر وعلى القدرة عليه. وأذكر أنك كنت تقولها دائما، زمنكم سيكون أفضل من زمننا ويجب أن تتهيؤوا لتكونوا حاضرين في قلبه لا على هامشه.

 

أنا متفائل بهذا المغرب القادم إلينا، وأبشر أبناني أن مستقبلهم سيكون أفضل من حاضري. وهذه وصية منك؛ أنجح فيها كل يوم

وفعلا تغير زمننا أو لنقل أبي أنه بصدد التغير. وها قد كانت نبوءتك في محلها. من وفاتك إلى اليوم حدث الكثير، غيرنا دستورنا، ومحمد السادس لم يعد هو الحسن الثاني، حتى أحزابنا تبدلت مواقعها، من كان في المعارضة صار يحكم، ومن كان في الحكم صار معارضا، ظهر بيننا إسلاميون وصلوا إلى السلطة، وانتخاباتنا لم تعد بالسوء الذي كانت عليه.. تقدمنا كثيرا في السياسة، لكن البطالة تكاد تكون على حالها، والتعليم مازال فاشلا، ومواطنونا لازالوا يعانون في مستشفيات الحكومة وإداراتها..

 

لكن الحد الأدنى للأجر أصبح أعلى بكثير مما كنت تحصل عليه. وأنا أحصل على أكثر منه بكثير، وهذا ما كان حلمك الآخر.. وأتذكرك كلما نظرت إلى أطفالي، عيسى وملاك، أتساءل أي مستقبل سيعيشون فيه، وأي شغل سيجدونه، وهل سيستطيعون الحصول على سكن، وهل سيتزوجون وينجبون، مستقبلهم يشغلني كثيرا، لذلك أقول باستمرار وكلما تذكرت معاناتك من أجلي "الله يسمح لينا من الوالدين".

 

ومع ذلك فأنا متفائل بهذا المغرب القادم إلينا، وأبشر أبناني أن مستقبلهم سيكون أفضل من حاضري. وهذه وصية منك؛ أنجح فيها كل يوم..

وفي وصيتك الأخرى أنا ملتزم، في كل صيف آخذ الزوجة والأطفال إلى البادية، أريدهم كما كنت تقول أن يكونوا أصحاب هوية، المدينة مكان للعمل وليست مجالا للانتماء، والحمد لله أنهم أحبوا الجبال والشمس الحارة، لكنهم لم يتعلموا الأمازيغية بعد.

 

هل أواصل الكتابة إليك الآن؟ أسألك لأني أشعر بالامتلاء العاطفي، وبسائل دافئ يتدفق من طرف عيني، وحتى قلبي ينبض بقوة، وكأنها روعة أن أستعيد طفولتي، أن أعود للحالة التي كنت أجلس فيها القرفصاء في حضرتك، وكأنك معي الآن وهنا.

 

أستسمحك في أن أتوقف، ففي كل ما بيننا من حب قوة تخنق الأنفاس.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة