تفاعلا مع القراء عن الحب والزواج

1/12/2016
في مقال الأسبوع الماضي، كتبت داعيا ألا تخجل المرأة أو الفتاة من الإعلان عن حبها لمن تحب أو طلبها الزواج منه إن رأت فيه بطبيعة الحال زوجا أو شريكا مناسبا لها، وقد توالت ردود الأفعال على ما كتبت بشكل فاق توقعي، سواء على صفحة التواصل الاجتماعي "لمدونات الجزيرة" أو على صفحتي الشخصية أو في أحاديث الأصدقاء أو القراء بشكل شخصي، الأمر الذي رأيته من خلاله ضرورة كتابة جزء ثانٍ أو هامش على متن ما كتبت كتفاعل مع ردود القراء والأصدقاء المتباينة بدءا من التأييد مرورا بالتحفظ وانتهاءا بالرفض التام والتنبيه من خطورة الفعل.

في حقيقة الأمر كان أول ما استوقفني هو الادعاء بأن الفكرة التي طرحتها هي فكرة "نسوية" ودعوة للتحرر وكسر "التابوهات" والانقلاب على "الفطرة"، وهي أمور لم أدعيها سابقا، فأنا لست متوافقا في كثير من الأحيان مع الأفكار النسوية، ولا أقبلها على إطلاقها أو لكونها نسوية، فعنوان النسوية ليس جاذبا لي.

لا تغيّر في أي ثقافة دون مشقة أو طرح لأفكار مضادة للسائد فيها يشتبك معها من أجل إصلاحها أو تهذيبها أو الحد من تطرفها ودفعها نحو الاعتدال.
أما الحديث عن "التابوهات" و"التحرر" فهو حديث فضفاض ذلك أن هذه المفرادت سائلة حد عدم القدرة على استنتطاقها بشيء محدد دون شرح واضح، فبالتأكيد كغيري أدعو إلى التحرر من تابوهات كثيرة أضرت بالناس في حياتها الاجتماعية والسياسية، ونظرة بسيطة على أمور السياسة في العالم العربي، ستكشف أن الانظمة التي ثار عليها الناس لم تكن تتحكم فيهم إلا عبر أساطير روجت لها، فيما كان يجري التحكم في فرص المرأة وتحديد مجالات إبداعها عبر أساطير اجتماعية ومورثات ثقافية رفعت بشعارات امتزجت بهذه المفردات الفضفاضة دون تحرير أو بيان لها.

فيما كانت "الفطرة" هي البوابة الذهبية للمطالبين بفتح باب التعدد في الزواج دون قيد أو شرط، باعتبار أن هذه "فطرة الرجل التي فطره الله عليها"، وليس كحل لأزمات تخص المجتمع أو تتعلق ببيئات معينة، ومن ثم، فما يروج من بعض الرجال بأحقية الرجل أن يُعدد بلا قيد أو شرط وبدون النظر في سياق البيئات التي انتشر فيها التعدد ثقافيا واجتماعيا، هو محض تدليس.

لذلك ومن الأمثلة السابقة، والتي هي ليست موضوع النقاش، فإنني أرى أن ربط الفكرة التي طرحتها، بكل هذه الألفاظ وغيرها من "العفة" و"الحياء"، لا أساس له ومجرد ألفاظ للترهيب والابتزاز الأخلاقي، فكل هذه الأحكام القيمية، لا علاقة لها بقبول الفكرة أو رفضها.

الأمر الآخر الذي استوقفني، كان هو تفاعل بعض القراء من مجرد قراءة العنوان أو المقدمة دون النظر في التفاصيل، والتي لم أخالف فيها جوهر الفكرة، لكنني أبديت تفهما لمن يرفض الفكرة أو يراها غير صالحة أو لا يقوى عليها، ناهيك عن إشارتي لإمكانية أن يتم الأمر عبر وسيط، فالمسألة برأيي هي "حق" الجهر بالحب أو الإعلان عن رغبة في تتويجه بالزواج، وبالطبع هذا أمر يتعلق بالنفس والروح، اللذان لا يستويان بين كل الناس.

ومن بين ما أسفت له أن أحدا لم يلاحظ أن مما أبديت الدفاع عنه خصيصا هي الفئات الأكثر ظلما من الفتيات والنساء في مجتمعتنا في مسائل الحب، وهن (المتأخرات عن الزواج والمطلقات والأرامل) وذلك بفعل "تابوهات" لا تتعلق "بالفطرة" علينا "التحرر" منها، هذه الفئات هي الأكثر حقا في الدفاع عن أحقية الجهر بما ترغب بدلا من حصارها بنظرات الشك أو الشفقة أو "قلة الحيلة".

الأمر الثالث والذي كان من بين أكثر تعليقات القراء انتشارا، هو أن الثقافة الآن لا تسمح بتطبيق الفكرة، وأن المجتمعات العربية غير مؤهلة لذلك، وأن ما أقدمت عليه السيدة خديجة، رضي الله عنها، مع الرسول لا يمكن محاكاته في هذا الزمن.

لن أجادل في هذه النقطة باعتبار اعترافي بصحتها ضمنيا من حيث الشكل أو السياق العام، لكن ثمة ملاحظات على هامش هذه النقطة يجب أخذها في الاعتبار، أولها أنه لا تغير في أي ثقافة دون مشقة أو طرح لأفكار مضادة للسائد فيها يشتبك معها من أجل إصلاحها أو تهذيبها أو الحد من تطرفها ودفعها نحو الاعتدال، وفي القلب من ذلك تغيير ثقافة أن رفض الطلب "سواء من الرجل أو الفتاة" يعد جرحا للكرامة أو انتقاص من الشخص، وهو أمر أيضا شائع بين الرجال، فكثير من الحساسيات قد نشأت بين عائلات أو أسر بسبب رفض الابن كعريس لابنتهم.

ومرة أخرى لا أهون من مسألة أن يحب أحد شخص ويراه الآخر غير مناسب للارتباط كزوج، لكن هذا أمر طبيعي إذا وضع في سياق تفهم أن تفاصيل الزواج وقبوله ليست كلها منطقية، فالروح وتطلعات الحياة ليست واحدة والنفس البشرية أعقد من تفسيرها بطريقة خطية مستقيمة.

بعض الفتيات بادرن بإبداء رغبتهن بالزواج بمن يحببنه وتم بالفعل الزواج وسار ونجح على ما يرام، ومنهن من بادرن لكن لم يتم للأمر النجاح وانفصل الطرفان، وهو أمر طبيعي.
وثقافيا أيضا، يجب أن يتفهم الناس أن طلب الزواج يعني الخطبة، والخطبة هي وعد مؤقت بالزواج، ومن ثم طلب الزواج والموافقة عليه سيمر بمراحل عدة، قد يكتشف الطرفان فيهما أو أحدهما أن هذه الزيجة ليست مناسبة أو ليست هي ما يطمح له، فربما يطلب رجل فتاة فتقبل أولا ثم يرفض هو نفسه إكمال الطريق لاحقا، والعكس صحيح، أما الخشية من أن يعيّرها الرجل بطلبها بعد ذلك حال نشوب خلاف، فمرة أخرى، الخطبة أو طلبها ليست "توقيع على بياض" يسلب الطرف الآخر حقوقه أو يجرده من احترامه.

والحال كذلك حين "تعاير" بعض الفتيات أزواجها أو خطيبها بأنه من طلبها للزواج، فالأمر مردود عليه بأنها وافقت، فضلا عن أن هذه الصيغة يجعلها في مصاف ذوي النفوس غير الجديرة بالثقة، وهو وصف ينطبق على الرجل الذي ينظر بعين الريبة والشك لمن تعلن له حبها أو رغبتها في الزواج منه، فهو إن كان له حق الرفض، فليس له حق الانتقاص أو التقليل ممن أقدمت على ذلك، وهو أيضا مما يجب تغييره ثقافيا.

أما نموذج السيدة خديجة فلم يكن هو الوحيد فقط عبر التاريخ، فنبي الله موسى، عليه السلام، طلبت فتيات البئر من أبيهم أن يستأجره "فهو القوي الأمين"، فما كان من الرجل إلا أن يخيره بين إحديهما للزواج، على أن يستأجره ثماني "حجج"، هذا فضلا عن مرويات أخرى في التاريخ كانت الفتاة أو أهلها هم المبادرين بشكل أو بآخر. وهو الأمر الذي اكتشفت أنه حدث ويحدث في عصرنا هذا عبر تواصل بعض القارئات معي، فمنهن من بادرت بالأمر وتم بالفعل الزواج وسار ونجح على ما يرام ومنهن من بادرت لكن لم يتم للأمر النجاح وانفصل الطرفان، وهو أمر طبيعي فأنا لم أقل إنها وصفة سحرية للنجاح ولكنه "حق" للمرأة لا يجب أن يُسلب منها أو نحاكمها أخلاقيا إذا أقدمت عليه.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة