منى حوا
منى حوا
10.5 k

عزيز أنت يا وطني.. برغم قساوة المحن

10/12/2016

قبل فترة وجيزة من انتقالنا للخرطوم، أعلن التلفاز السوداني استيلاء ضباط الجيش بقيادة العميد عمر حسن البشير على مقاليد الحكم، وقع ذلك في 30 يونيو عام 1989، لقد كان انقلابا عسكريا بهوية إسلامية تبدّت لاحقا، الإسلاميون الذين يلعنون الانقلابات اليوم في كل مكان، يغضّون الطرف عن هذا الحدث، الانقلاب هنا جاء بحكم الشريعة، لذا لا بأس!
 

هذا الانقلاب "المشروع" سمح بانتقالنا لتلك البلاد، حسنًا لقد طُردنا مع نصف مليون فلسطيني من الكويت وتلك قصة أخرى، لم نكن نحمل جوازات سفر تؤهلنا للاعتراف بنا كبشر، في جلّ الدول العربية، إلا أن السودان رحب بنا ترحاب الأنصار بالمهاجرين، خاصة وأن فلسطين كانت عنوانا بارزا في حكم البشير، كانوا صادقين حتما.. ولأجلها سيحاربون، ولأجلها سيقصفون، لأجلها سيعلقون أسباب الحصار، ولأجلها سيحكمون شعبهم بالنار إلى الأبد!
 

"عزيز أنت يا وطني" كتبها الشاعر حسين أونسة في فترة صعبة من تاريخ السودان، كان ذلك في فترة حالكة من حكم جعفر النميري.

أحاول استحضار شكل السودان مع قدومنا الأول، تحفل ذاكرتي بالأغنيات، تحولات كثيرة طرأت خلال أكثر من عشرين عاما قضيناها هناك. التلفاز كان يصدح كل مساء بأهازيج "ساحات الفداء" وهو برنامج تلفزيوني تعبوي موجه، بدأ بثه بعد بيان الأول لما عرف بثورة الإنقاذ، استمر العرض يوميا حتى اتفاقية "نيفاشا" التي أفضت لفصل السودان.
 

قصص المتمردين تروى عبر الأثير، من الجنوب وحتى أطراف البلاد، حفظت أسماء الشهداء وطربت على زغاريد الأمهات، الدبابين وفرقة الصحوة و.. لحظة، يا إلهي، اكتشفت فجأة أثناء كتابة هذه السطور أن ما أعرفه عن السودان أكثر مما أعرف عن فلسطين، أعرف عن الحرب الأهلية في جنوبه أكثر مما أعرف عن انتفاضة الأقصى.
 

بعيدا عن الأغنيات الحربية التي تحاصرني بألم لا أفهمه، أسمع من على البعد تنهيدة مجذوب أونسة وهو يغني.. "عزيز أنت يا وطني برغم قساوة المحن برغم صعوبة المشوار ورغم ضراوة التيار، سنعمل نحن يا وطني لنعبر حاجز الزمن". لا يغادر الدمع المآقي مع الاستماع للحنها الشجيّ، وكأنها آخر الأغنيات الوطنية التي كتبت في حسّ خالص وقلب شفيف.
 

ما جاء بعدها لا يعدو أكثر من تجييش تعبوي موجّه لحكومات وعساكر، قصائد نسجت في حب أرباب السلطة، قصائد كتبت برغبات النفوذ، وكأني ما سمعت أغنية تبكي حال السودان كهذه الترنيمة الخالدة، وكأن تأريخ السودان بالقصيد جفّ حبره بعدها.

"عزيز أنت يا وطني" كتبها الشاعر حسين أونسة في فترة صعبة من تاريخ السودان، كان ذلك في فترة حالكة من حكم جعفر النميري، الرئيس الشرس الذي تقلّد الحكم بانقلاب مايو 1969، عرج هو الآخر لإعلان تطبيق الشريعة بعد تخبّط طويل، نصّب نفسه في إحدى صباحات سبتمبر 1983 إمامًا للمسلمين، في تلك الفترة لاحق النميري خصومة السياسيين بتهم الردة، قطّع أطراف شعبه بتهم السرقة والحرابة، كانت تلك الشريعة جسر النجاة والانتقام لسلطة متهالكة واقتصاد منهار وبرنامج سياسي فاشل، أتت الشريعة ذريعة لقمع المواطنين وردع المعارضين.

هنا حسين أونسة شاعرنا الحزين، واسى انكسار بلاده بالشعر، سطّر بالدمع عِزَّة السودان، كتب عن الوطن الكريم والشهداء الأكرم وأمجاد خالدة خلود النيل برغم اذلال أصحاب النفوذ "فيك النيل الذي أرسى لدنيا المجد أوتادا، حضارات بِه كانت لنور الحق ميلادا، تراعي قيمة الإنسان يا وطني.. وتحمي عزة الأوطان يا وطني".

عادت أغنية "عزيز أنت يا وطني" لتُسمع في الدور والمحال المُغلقة، ذيّلوها مع صور الشوارع الخاوية، كتبوها على الحافلات المُضربة، أرفقوها مع كل خبر عن العصيان.

ظلّت هذه القصيدة مخبأة مع عشرات القصائد التي خاف أصحابها من سطوة المقاصل، حتى جاءت انتفاضة مارس إبريل 1985، نشرت القصائد لحظة خروج الناس إلى الشوارع، الناس بكل فئاتهم تتقدمهم صفوف النقابات والاتحادات العمالية والقوى الطلّابية، الشعب سطّر من تاريخ السادس من إبريل يوما ملحميا في الذاكرة السودانية ضد نظام شمولي فاسد، كان ذلك الحراك الشعبي نتيجة نضال استمر لأكثر من 16 عاما بين هبوط وصعود، حراك أفضى لاتساع رقعة الإضراب السياسي والعصيان المدني في كل القطاعات الحية، الرسمية والشعبية.

يرى كثر أن هذه الانتفاضة تم اختطافها لاحقا، لكنها تظلّ لحظة فارقة تثبت على الدوام رفض السودانين لحكم الفرد والديكتاتوريات والاحتكام لأي أيدولوجيا بهدف التنكيل من الإنسان.

واليوم بعد مرور أكثر من 30 عاما على هذه الانتفاضة، جاءت أول دعوة لعصيان مدني في تاريخ نظام البشير، لم تشارك النقابات التي اخترقها الحزب الحاكم بطبيعة الحال، لكن الهدوء لوحظ في كل الأماكن الحيوية في السودان، كانت الدعوة بمثابة عريضة صامتة. موقعة من جموع السودانيين غضبا من مآلات السودان المُرّة كالعلقم.
 

عادت أغنية "عزيز أنت يا وطني" لتُسمع في الدور والمحال المُغلقة، ذيّلوها مع صور الشوارع الخاوية، كتبوها على الحافلات المُضربة، أرفقوها مع كل خبر عن العصيان، وزعوها مع كل عريضة لأجل الأوطان، فليحكم من يحكم السودان، تظلّ عزيزا أنت يا وطني برغم قساوة المحن.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة