سلطان آل يحيى
سلطان آل يحيى
316

حكاية السيء والأسوأ

15/12/2016
قرأتُ على هذهِ المنصّْةِ تدويناتٍ عدة عن التجربةِ الأندلسية، نصوصٌ مؤنسنةٌ ومبدعةٌ تقرأُ تداعياتِ السقوطِ المدَوّْي للفردوسِ المفقود، تستحضرُ الذاكرةُ تجربةً نادرةً في تاريخِ البشريةِ قوامها الرفاهُ والتحضرُ الزاهرُ وخصوصيةُ أنماطِ الحياةِ في الشعرِ والأدبِ والفقهِ والفلسفةِ واللباسِ والبناءِ والعمارة. تساءلتُ، لمَ هذا الاهتمامُ مؤخراً؟!

الأعمالُ الأدبيةُ والدراميةُ التي تعاقبتْ خلالَ العقودِ الأخيرة، كانت ملهمةً لاستحضارِ الماضي. روايةُ "ثلاثيةِ غرناطة" كتبتها الراحلةُ رضوى عاشور لتصفَ أحوالَ غرناطةَ بعدَ السقوطِ، وقد لاقى هذا العملُ الرائعُ رواجاً كبيراً وإعجاباً لدى أوساطِ الثقافةِ والمتابِعينَ والمهتمين. كانت لغةُ الألمِ عندَ رضوى عاشور واضحةً في عباراتِ الرواية، لقد كتبت روايتها بدافعِ ليلةِ سقوطِ بغدادَ عامَ 2003م، لأنَّ حواضرَ الأمةِ من مشرقها إلى مغربها تتداعى لبعضها البعض بالحمى والسهر!.

لم يمرُّ على العربِ والمسلمينَ فجيعةُ حربٍ واحتلالٍ كما مرَّ عليها إبّْانَ الحقبةِ الاستعمارية ثم الآن والآن فقط، لقد إنهارَ المشرقُ بِكُلِّيَتِهِ وتهاوتْ مُدُنَهُ الواحدةَ تلوَ الأخرى.
وكتبَ حسن أوريد روايةَ "الموريسكي" لبيانِ الحالةِ العامةِ لأهلِ الأندلسِ تحتَ الحكمِ الإسباني المسيحي وما يرتبطُ بذلكَ من صراعاتٍ وهجراتٍ وأوضاعٍ سياسيةٍ في المشرقِ وبلادِ المغرب. في الدراما التلفزيونية، تَوَّجَ وليد سيف سلسلةَ أعمالهِ التلفزيونيةِ للأندلسِ بمسلسلِ "ملوك الطوائف".

وبالرغم من أنَّ فترةَ ملوكِ الطوائفِ تاريخياً أقلُ بكثيرٍ من قرنٍ واحدٍ قياساً بتجربةِ الأندلسِ الكاملةِ الممتدةِ لثمانِيةِ قرون، لكنَّ أحداثها وسياقاتها الفكريةِ والسياسيةِ كانت من الأهميةِ بمكان ليُكتبَ عنها. لقد أبدعَ وليد سيف في إسقاطاتهِ الثقافيةِ والسياسيةِ ليجعلَ من عملهِ التلفزيوني واقعاً يحكي قصتك، يغوصُ في أعماقك، يستجلبُ من حياتكَ كُلَّ آمالكَ وأحلامكَ وآلامكَ. لأنه حينَ يكتب؛ لا يجمعُ أحداثاً تاريخيةً دُوِّنتْ في كُتبِ التاريخِ والسيرِ والتراجمِ فحسب.. بل يحيلها إلى فلسفةِ حياةٍ وأُطُر عملٍ وسلوك.

اتجهت كثيرٌ من حساباتِ التواصلِ الاجتماعيِ لهذهِ المادةِ الدسمةِ والثرية، الطريفُ في الأمرِ أيضاً أنَّ ثَمَّةَ حساباتٍ ومواقعَ ومُختصينَ في التاريخِ الأندلسي لمّْا وجدوا اهتماماً ملحوظاً من قِبَلِ الجمهور، تحوَّلوا إلى الاستثمارِ في الرحلاتِ السياحيةِ لمدنِ إسبانيا الكبرى المتعلقةِ بالذاكرةِ الإسلاميةِ كقرطبةَ وغرناطةَ وأشبيليا.

المشكلةُ هنا ليستْ في تقليبِ أوراقِ التاريخِ وزيادةِ الجرعاتِ المعرفيةِ حولَ مرحلةٍ ما. وليست في الاستمتاعِ بمادةٍ أدبيةٍ حُبِكَتْ بعناية، ولا في زياراتٍ منتظمةٍ بين وقتٍ وآخرَ لسوقِ البيَّازينَ في غرناطةَ وتشجيعِ فريقها في دوري الليغا الإسباني كعنوانِ وفاءٍ للمدينة، أو الانسياقِ وراءِ الهوى واهتبالِ الفرصةِ لمشاهدةِ مباراةِ الملكي مع الكتالوني الأصفر على ملعبِ سانتياغو برنابيو!. لكنَّ المشكلةَ الحقيقيةَ تكمنُ في التباكي على حدثٍ مضى عليه خمسمائة عام وكأنه يومُ القيامة، بالرغمِ من أنَّ ما أتى بعدهُ لم يكنْ قطعاً أهونَ منه!.

لِنُدركَ أنَّ عامَ 1492م لم يكنْ نهايةَ العالمِ بالنسبةِ للمشرقِ الإسلامي. فقد تشكلت دولةُ العثمانيينَ وأسطنبول حاضرتها، والسلاطينُ العثمانيونَ يحاولونَ بين وقتٍ وآخرَ اقتحامَ شرقَ أوروبا. ولم يكنْ قد مضى على وفاةِ محمدِ الثاني الفاتحُ قاهرُ بيزنطةَ وفاتحُ القسطنطينيةَ سوى بضعِ سنوات. كانت حواضرُ المشرقُ العربي الإسلامي حُرّْةً وقائمةً بذاتها ولم يُدَنِّسُها مُستخربٌ صليبي ولا صائلٌ باطني.

كانت البحريةُ العثمانيةُ تَدُكُّ سُفُنَ الُبرتغالِ دكاً، وتنتصرُ عليها في ذواتِ صواريٍ عديدة. والجيشُ العثمانيُ بعدَ سقوطِ غُرناطةَ بمائةٍ وخمسينَ عاماً يُحاصرُ فيينَّا، ويُهدِّدُ وجودَ آل هابسبورغ. في معركةِ جالديران تحطَّمتْ آمالُ الصفويينَ الشعوبيينَ ونظرائهم النصيريةَ في جبالهم على الساحلِ السوري، على يدِ الكتائبِ العثمانية. وذلك كُلُّهُ يعني ببساطة، أنَّهُ إنْ كانَ الإخفاقُ قد حصلَ في مكانٍ ما، فإن نجاحاً يقابلهُ في مكانٍ آخر!.

لم يمرُّ على العربِ والمسلمينَ فجيعةُ حربٍ واحتلالٍ كما مرَّ عليها إبّْانَ الحقبةِ الاستعمارية ثم الآن والآن فقط، لقد إنهارَ المشرقُ بِكُلِّيَتِهِ وتهاوتْ مُدُنَهُ الواحدةَ تلوَ الأخرى بينَ أنيابِ المُستخربِ الصليبي كاثوليكياً كان أو بروتستانتياً.. لا يهم!. احتلَّ الفرنسيونَ الجزائرَ لمدةِ مائةٍ وثلاثينَ سنة، وجاءتْ بدعةُ الاستقلالِ فصدّْقناها، وظننَّا أنَّ كُلَّ شيءٍ قد انتهى، لكنَّ الحقيقةَ كما قالها البردوني:
تَرَقّْى العارُ من بيعٍ إلى بيعٍ بلا كفنٍ
ومن مُستعمِرٍ غازٍ إلى مُستعمِرِ وطني.

في العامِ الحالي تحديداً، ظهرتْ مُعلِّمةٌ جزائريةٌ اسمها صباح بودراس في تسجيلٍ تمَّ تداولهُ على نطاقٍ واسعٍ تقولُ فيه: أنَّ هذا العامَ سيكونُ عامُ اللغةِ العربيةِ لِطُلّْابها، وصلَ الخبرُ لوزيرةِ التعليمِ فأقامتْ مؤتمراً صحفياً وهدَّدتْ وتوعَّدتْ وانساقَ معها عرَّابو الفرنكفونيةِ الجزائريينَ الذينَ يرونَ العربيةَ عقبةً في طريقِ النهضة. أدركتُ وأنا أقرأ الخبر، أنَّ هذه الرمزيةَ المهزومةِ تجعلُكَ أمامَ مصيبةٍ أكبرُ بكثيرٍ من ضياعِ الأندلس!.

آلهةٌ تُسمّْى "النظامُ الدولي" تعبثُ بشعوبِ العالمِ وفي مُقدِّمتها هذا المشرقَ البائسَ إلا مِنْ رحمةِ ربّْه.
إنْ كُنْتَ ولا بُدَّ باكياً الأندلسَ كما تبكي النساءُ تقليداً وتخليداً لذكرى أبي عبداللهِ الصغير، فالأولى بكَ أنْ تبكِ حاضركَ الذي فقدتَ خِلالهُ قُدْسَ عُمَر وبغدادَ المنصور ودمشقَ بني أمية وحلبَ نور الدين زنكي وموصلَ عرفجة البارقي.

نحنُ اليومُ أمامَ أسوأِ حالاتنا التي تستدعي حدثاً عملاقاً كحدثِ "الزلّْاقة"، لكنَّ شروطَ حصولِ زلّْاقتنا ولسوءِ الطالعِ غيرُ متاحة!. فالعالمُ كُلُّهُ مُحْتْل، وآلِهَتُهُ الأرضيةُ تضعُ شروطها وفقاً لرؤيتها للكونِ والحياة.

آلهةٌ تُسمّْى "النظامُ الدولي" تعبثُ بشعوبِ العالمِ وفي مُقدِّمتها هذا المشرقَ البائسَ إلا مِنْ رحمةِ ربّْه. وأمّْا نحنُ فغارقونَ في تَيْهِ التألّْي على اللهِ أنْ لنْ يُصيبنا مكروه. ويصعبُ على عقولنا التصوُّر الذي يقول: الموصلُ وحلبُ اليومَ، وكذا وكذا غداً!.

ليست غرناطةَ محطُّ أحزاننا، فلو بقيَّتْ عربيةً مسلمةً ما كانتْ إلا جيباً خاضعاً للغربِ يَئِنُّ مواطنيها تحتَ وطأةِ الاستبداد. ما يدمي القلوبَ لو بقيَ ثمَّةَ قلوب، هذا الحاضرُ المزري الذي بيعت فيه العقائدُ والضمائرُ والذممُ والأخلاقُ فصرنا علاقمةً نُعينُ الصائلَ القاتلَ اليومَ من حيثُ نعلمُ أو لا نعلم، ليأتي دورُنا غداً فنكونَ الضحيةَ التالية!.

شارك برأيك