عادل كوننار
عادل كوننار
528

التدين السديد.. بين المعرفة والتقليد

16/12/2016
ما من مجتمع إلا ويشكل المثال الأعلى النصيب الأكبر في صنع آراء ومعتقدات أفراده، في رحلة أسلافنا الطويلة من الكهوف البدائية إلى فجر المدنية، برزت الحاجات كمولدات كبرى للآراء والمعتقدات، ومن ثم للسلوك الإنساني وللتطور الاجتماعي، وقد كان الجوع أقوى الحاجات في البداية قبل أن تنضاف إليه بالتدريج حاجات أخرى كاللباس والتكاثر.

ثم في وقت لاحق ظهرت الحاجات الدينية كتعبير عن ضرورة بيولوجية وعاطفية لا يستغنى عنها في مهمة التفاعل مع العاملين الكبيرين اللذين يؤطران النشاط البشري، ألا و هما اللذة و الألم، وكذلك لإقامة قانون للواجبات الاجتماعية، كفيل بتخليص الإنسان من حيوانيته الخالصة وبإطفاء بربريته، ومن هنا كان هذا القانون كمثل أعلى ضروريا لإجبار الإنسان على كبح نفسه والسيطرة عليها حتى يرتقي أكثر في سلم الحضارة.

التدين كلما أوغل في الأسطورة والأمور الغيبية كلما كان أكثر قبولا وأشد عمقا في وجدان الفرد ووعيه.
وهكذا تتضح الأهمية البالغة التي كانت ولا تزال للنزعة الدينية في صياغة روح الأفراد والمجتمعات، ومن هنا يقفز إلى الذهن التساؤل بخصوص إسهامات الجانب الديني في صناعة القيم الإنسانية، أيهما الأصل وأيهما الفرع، وهل تحتاج الأخلاق في تقويتها وتعميقها في النفس البشرية إلى مفاهيم ما ورائية كالثواب والعقاب، هذا التساؤل سيقودنا بدوره إلى الفكرة التي تخص صلب موضوعنا، وهي تتمحور حول أنماط التدين التي ستنبثق عن هذا الحضور الوجودي للدين في حياة البشر.

في علاقة الدين بالأخلاق، تعددت واختلفت الأطروحات الفكرية، منها من رأى أن الدين يحتاج إلى الأخلاق كوسيلة أساسية لتمكين الإنسان من بلوغ طريق الإيمان والتدين، حيث يكون التوجه إلى الله هنا، مبنيا ضرورة على أساس أخلاقي، وإلا فسيكون دون ذلك كل شيء مباحا.

ثم هنالك من القراءات من رأت أن الدين إنما يعمل على تزييف الأخلاق وتكريس الاغتراب عن الذات من خلال إنشاء منظومة أخلاقية ذات تأصيل برغماتي تتجه التصرفات الأخلاقية فيها نحو إرضاء المجتمع، هنا يتصرف المرء باحترام ومثالية أمام الآخرين، ثم ما إن ينفرد بذاته حتى ينصرف إلى العكس بما يؤشر على أن محرك الأخلاق هنا هو المجتمع والآخر. ثم هنالك من الأطروحات من ترى أن الأخلاق إنما هي مستقلة عن الدين وعن المجتمع، وتبنيها وجب أن يكون متحررا من أية سلطة جبرية حتى تخرج من قوقعة النفعية وتبتغي الفضيلة دون خوف من عقاب أو طمع في ثواب، دنيوين كانا أم أخرويين.

هذه التوطئة الموجزة لعلاقة الدين بالقيم الأخلاقية كان لا بد منها للانتقال إلى أشكال التدين التي ستتمخض وتطفو على السطح في حياة البشر، والتي تتمحور من وجهة نظرنا في نمطين رئيسيين، هما التدين المعيشي العامي ثم التدين المعرفي، التدين المعيشي يعتبر الأكثر حضورا ورواجا في جميع المجتمعات البشرية على امتداد التاريخ، وسمي بالمعيشي لأن المهم فيه بالدرجة الأولى هو المعيشة، من خلال العيش في أجواء قابلة للتحمل، فالمتدين هنا يرى أن الحياة مع هذا الشكل من التدين أفضل من غيرها وأيسر في مواجهة التحديات والصعوبات.

ومن أبرز سمات هذا التدين أنه ينطلق من موقع التقليد وبالتالي فالأمور الدينية هنا لم تتوغل في عمق وعي أصحابها، والذين يتلخص الدين عندهم في أنهم يريدون خدمة مصالحهم الدنيوية، يتلفع المتدينون هنا بالأسطورة التي تضيق المجال -إن لم تكن تسده- لدخول أية أفكار وآراء جديدة للأذهان حتى لا تولد أزمة روحية، فهذا التدين كلما أوغل في الأسطورة والأمور الغيبية كلما كان أكثر قبولا وأشد عمقا في وجدان الفرد ووعيه.

كما أن مقتفي هذا النوع من التدين يحملون فهما خاصا لله، الذي يمثل هنا إله الأمر والنهي داخل إطار صارم لمنظومة الحلال والحرام، وبمنظور شديد الإفراط يرى الله وكأنه يبحث عن مبررات لإلقاء الناس في جهنم بدلا من إيجاد مبررات لإدخالهم الجنة. هذا التدين يمكن تسميته بالتدين البدني لتمييزه عن التدين الدماغي والتدين القلبي، وذلك لأنه يهتم بالأمور البدنية كالشعائر والطقوس الظاهرية، وهو بذلك يؤكد على أنه كلما عمل الشخص أكثر في مجال الشعائر كلما كان متدينا أكثر.

نقطة أخيرة تميز أصحاب هذا النوع من التدين؛ وهي تشكل للمفارقة نقطة التقاء مع اللادينيين، وهي أن كليهما لا يريان طريقة للتدين غير هاته.

الحكم لدى المتدين المعيشي واضح، الصدق حسن والكذب قبيح، في حين لدى المتدين المعرفي الحكم هنا مسألة شديدة التعقيد والنسبية.
أما فيما يخص النمط الثاني من التدين، التدين المعرفي، فينظر أصحاب هذا النوع إلى الدين نظرة أخرى ويطلبون منه شيئا آخر، فبخلاف التدين المعيشي الذي يقوم أساسا على قاعدة الجزمية حيث لا مجال لحرية الفكر والرأي، فإن التدين المعرفي يقوم على أساس الاستدلال والتفكير، مما يفسح المجال هنا أمام تبدل الأجواء وانفتاح الطريق نحو التعددية وإزالة غبار الجزمية عن الفكر، المتدين هنا صاحب رأي يبني عقيدته على منظومة فكرية، وبالتالي فهو لا يحتاج لرجال الدين الذين يرتبطون بإيمان المقلدين، الإيمان هنا كونه معرفيا فهو يكون تعدديا، وبالتالي ملغيا للرؤية الحصرية التي تقول بوجود رأي واحد صحيح في هذا المجال هو رأينا، ثم التحرك من ثم لتجسيد هذا الرأي في الواقع الاجتماعي بأدوات الحسم القهري، فهذه الوسائل تتنافى مع التوجه المنفتح لهذا النمط من التدين.

على أن هذا التفكير ومهما بدا تحقيقيا، إلا أنه يظل يعتبر الحقيقة الألوهية سرا من الأسرار التي تبتلع الإنسان وتحيط به بدلا من أن يحيط هو بها، السر الإلهي هنا كالبحر الذي يحيط بنا لا أننا نحيط بالبحر، نحن بإمكاننا أن نسبح في البحر وكلما توغلنا في البحر أكثر فإنه سيحيط بنا أكثر وأكثر، أي أن الانطلاق في البحث العقائدي هنا من موقع السؤال والنقد يمثل للمتدين المعرفي عين العبادة على طريق تحقيق فهم أفضل للدين، فعلى عكس التدين المعيشي حيث يتسم العالم والآراء عموما بالبساطة، فعندما يدخل الإنسان عالم التدين المعرفي فستزول هذه البساطة لتحل محلها تعقيدات أكبر، ففي سائر الأحكام الأخلاقية مثلا كالصدق والكذب، الحكم لدى المتدين المعيشي واضح، الصدق حسن والكذب قبيح، في حين لدى المتدين المعرفي الحكم هنا مسألة شديدة التعقيد والنسبية.

ختاما، وفي نهاية هذا العرض، وجب أن نستحضر أخيرا نقطة في غاية الأهمية فيما يخص التدين عموما، وهي أن المنطق العقلي مهما بلغت درجة تحقيقه وحصافته فهو لن يستطيع الإفلات من التأثيرات العاطفية في هذا الميدان، فالمعرفة في عالم معاصر يعج بالأدوات الجديدة والوسائل المتطورة سيتركز شغلها الشاغل أساسا في كيفية تحقيق الانسجام مع هذه الأطر والمفاهيم الفكرية الجديدة، فيما الإيمان كما اللا إيمان، فهما يعدان قضية ميتافيزيقية سيكون من الغلو في العقلانية تصور إمكانية بناء الآراء بخصوصهما على العقل وحده.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة