محمد عابد
محمد عابد
501

نحن وهتلر وتاريخنا المجيد

21/12/2016
قد تحمل المقارنة بين الإسلاميين والزعيم النازي، أدولف هتلر، شيئاً من المبالغة من ناحية تحلل الأخير من إنسانيته لأجل تحقيق أهدافه السياسية.

ولكن القارئ لسيرة الرجل، ولأفكاره التي سطرها في كتاب "كفاحي"، يلاحظ تشابهاً من حيث المنطلقات والتصورات، مع ما يطرحه الإسلاميون، ومع بعض منطلقاتهم.

لقد سيطرت على عقل هتلر منذ شبابه أفكار "الوحدة" و"المركزية"، في بنية الدولة وفلسفتها، ولو كان الأمر على حساب الحريات والقوانين البشرية الطبيعية، داعياً إلى توحيد الثقافة، وخصوصاً اللغة، ليصبح تحقيق الوحدة والمركزية متأتياً.

واعترف الرجل بنفسه أن الامبراطورية النمساوية ضمت 10 ملايين ألماني مقابل 40 مليوناً من شعوب أخرى، دون أن يناقش أي نموذج آخر لتحقيق التعايش بين تلك الشعوب سوى نموذج القضاء على جميع أشكال التنوع، في سبيل دولة موحدة ومتجانسة وعظيمة.

في التصورات الشائعة للإسلام، سواءً السنية أو الشيعية، هنالك طغيان لفكرة "القبس النبوي" الذي يحوزه أشخاص يضطلعون بأدوار سياسية.
ينم ذلك عن خلل في ترتيب الأولويات، فلو كانت "الدولة" لدى هتلر وسيلة لخدمة المجتمعات، تتطور بشكل طبيعي مع تطورها، لما ظهرت لديه تلك العقد، إلا أن الدولة كانت لديه غاية بحد ذاتها.

وبالمثل، تصر أدبيات الإسلاميين على اعتبار الدول العربية والإسلامية كيانات خلقها الاستعمار، وبأن ما عليهم فعله هو استعادة الإمبراطورية المتوحدة، بالرغم من أن العالم الإسلامي لم يكن متوحداً في تاريخيهم منذ 13 قرناً.

إن الإسلاميين في مختلف الدول لا يمكنهم رؤية مستقبل عالمهم بدون دولة واحدة تجمع كل المسلمين، وهو أمر يقف حائلاً أمام تقديمهم مشاريع متكاملة لنهضة مجتمعاتهم الخاصة.

كما أن الفروق الثقافية العميقة بين مجتمعات العالم الإسلامي، دفعت "مفكرين إسلاميين" للحديث أو التلميح عن توحيد الثقافة واللغة.

وهو، أي "المفكر الإسلامي"، وإن لم يصرح بتلك الفكرة فإنه يبني أفكاراً أخرى على أساسها وانطلاقاً منها، وربما كانت مشاريع "تصدير" الثقافات المتلبسة بالأيديولوجيات، كتصدير "الثورة" الإيرانية و"السلفية" السعودية و"الصوفية" التركية، من تجليات ذلك التفكير.

أما "المركزية"، فإن من شأنها أن تمكن الدولة من التقدم واستغلال الفرص واتخاذ القرارات بشكل أسرع وأكثر حسماً وحزماً، وهو ما دفع هتلر لنقد النظام البرلماني الذي يعطل ويؤخر عملية اتخاذ القرار بسبب المناكفات الحزبية والمصالح الضيقة لأعضاء وتكتلات البرلمان، علاوة على تعزيزه للجهوية التي تؤثر على "الوحدة" المقدسة.

لم يرفض هتلر الديموقراطية، إلا أنه كان يقول بأن العملية الديموقراطية والنظام البرلماني بشكلهما الحالي لا يخدمان الدولة، وأن نظام "القائد" الملهم هو الأكثر فعالية، خصوصاً عند الحديث عن تحمل مسؤولية الصواب والخطأ، فمن الذي سيواجه المسؤولية عن الخطأ الذي يرتكبه قرار اتخذه برلمان يتحدث باسم الشعب؟ يتساءل هتلر.

لم يناقش الإسلاميون الفكرة بذلك العمق، فقد دون هتلر العديد من الصفحات في هفوات ونواقص النظام البرلماني، التي سيتفق معه في أغلبها أي عاقل، ولكن حله، وحل الإسلاميين كذلك، تمثل في "القائد الملهم"، الذي إن كان هتلر يعتقد بأنه يصيب ويخطئ، فإن الإسلاميين يتصورون بأنه يصيب وفقط.

ففي التصورات الشائعة للإسلام، سواءً السنية أو الشيعية، هنالك طغيان لفكرة "القبس النبوي" الذي يحوزه أشخاص يضطلعون بأدوار سياسية، تحقق للعالم الإسلامي الوحدة و"التمكين" على بقية الشعوب.

كما نقد هتلر الإعلام الذي تديره أيد صهيونية خفية تؤثر على الرأي العام، الذي وصفه بـ"الجاهل في أغلبه"، وهو ما يتفق معه أكثر الإسلاميين، معتبراً أنه لا بد من تهييج للشعوب وتثويرها والحفاظ على "حالتها الثورية" إلى الأبد، إلى آخره من المبادئ والأفكار التي تنم عن خلل في تراتبية المفاهيم، واتساقها مع الطبيعة.

بعيداً عن هتلر، فقد عانى المسلمون، على مدى القرون المتعاقبة، من ضعف البحث في الاجتماع الإنساني، حتى في الموروث الإسلامي نفسه، من قرآن وسنة، واكتفوا بما يظهر منه من إرهاصات تدعم ما مارسته الدول، ويضفي عليها "القداسة"، بعيداً عن ما يمكن أن ينقدها.

وفي الأمر بعدٌ طبيعي، فلما كانت الدولة تحقق مستوى مقبولاً من التقدم، لم يجد الناس حاجة للسبر في ما قد ينقدها، ووجد أنصار الدولة سهولة في إيجاد ما يدعم موقفها لدى الجمهور، أما عندما فشلت الدولة العربية والمسلمة، تماماً، طفى البعد الناقد في النص الديني على السطح، وأصبح في المتناول.

وبالفعل، قام المسلمون بنقد دولتهم الفاشلة، إلا أن المنطلق الفكري الذي اتخذوه في نقدهم لم يكن فلسفياً أو علمياً أو أخلاقياً، أو حتى دينياً عميقاً، بل كان منطلقاً تاريخياً قائماً على مقارنة تلك "الدول الفاشلة"، بذلك التاريخ المجيد، الذي زاد في بريق مجده اسوداد الحاضر وكآبته.

ومن خرج من المفكرين عن خط المقارنة التاريخية، نحو تكوين وعي فلسفي أو علمي أو تراثي خاص، انطلاقاً من مبدئ بسيط، مفاده أن هذا الحاضر هو نتيجة لذلك التاريخ، وجد نفسه على خط المواجهة مع الخطاب "الشعبوي"،وسرعان ما تم إعدامه على مشانق تمجيد التاريخ.

وبالرغم من أفضاله الجليلة على الأمة الإسلامية في كافة المجالات، إلا أن التيار الذي أطلق عليه اسم "الإسلام السياسي"، بشقيه المتطرف والوسطي، قد ساهم في تعزيز حالة الشلل الفكري في هذا المجال، قبل أن يرى ويري الجميع، عملياً، فقره وعجزه وغياب الحد الأدنى من التصور لديه، حيال الدولة والسياسة والمجتمع.

ولطالما بشرت أدبيات الإسلاميين بنجاح "مشروعهم" في الحكم، لأنهم يرجعون فيه إلى القرآن والسنة و"التاريخ المجيد"، ولكن بشرط أن "يتاح لهم ذلك".

إن دولاً عديدة، مهما صغر حجمها أو كبر، لن تجد مشكلة في تحقيق نوع من الوحدة والمركزية، بعد أن تحقق إشباع كيانها الخاص باستقلاليته وهويته.
إن ذلك مثير للسخرية والشفقة إلى حد لا يوصف! خصوصاً في ظل حديث الإسلاميين عن إعادة أمجادهم على حساب الشرق والغرب، في الوقت ذاته الذي يتحدثون فيه عن أخلاقياتهم وسماحتهم.

جاء اليوم الذي أخذ يتداعى فيه ذلك الكيان الفكري الهلامي، بعد فشل الإسلاميين في سياسة ما أتيح لهم سياسته، بدعوى "عدم إتاحة الفرصة بشكل كامل"، وأخذ مفكرون وشبان ينطلقون في تفكيرهم بعيداً عن الحدود التي رسمها محتكروا الفكر الإسلامي الفاشلين، فعادوا إلى الأدبيات التي أسست للدولة الناجحة في الغرب، وإلى تلك الأدبيات الإسلامية التي حوربت ورميت بالكفر، وغيرها لخلق تصورات جديدة.

مهما كان تقييمنا لتلك المحاولات، إلا أنها ستشكل بمجموعها تراكماً واسعاً وعميقاً، مصيره التماسك والتأسيس لبناء فكري يتناسب وخصوصيات المجتمعات الإسلامية.

نحن بحاجة اليوم لإعادة تعريف مفاهيم الدولة والمجتمع والثقافة، نحتاج إلى إعادة النظر في مقدسات "الوحدة" و"المركزية"، وإلى العودة إلى طبيعة النفس البشرية والاجتماع الإنساني وإلى نسق أفكارنا معها، وقراءة النص الديني في ضوءها، نحتاج إلى منح الوطنية حقها وحجمها، والدين والثقافة مكانتهما، كما نحتاج أيضاً إلى صياغة أشكال للحكم تناسب مجتمعاتنا، بعيداً عن الاستنساخ والمقارنة.

إن دولاً عديدة، مهما صغر حجمها أو كبر، لن تجد مشكلة في تحقيق نوع من الوحدة والمركزية، بعد أن تحقق إشباع كيانها الخاص باستقلاليته وهويته، وبعد أن تطمئن تماماً لما سيترتب على تلك الوحدة من مكاسب، ولكونه قائماً على أسس من الأخلاق والمبادئ الإنسانية والطبيعية.

وفي النهاية، فإن القوة والعظمة والاحترام بين الأمم، لا يمكن أن تتأتى إلا كتحصيل حاصل لمسار متسق مع الطبيعة والانسانية والأخلاق، وإلا، فإن الخيار الآخر هو سبيل "هتلر"، الذي يسلكه كثير من الإسلاميين على استحياء.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة