الزواري.. نُبل العمل في صمت

24/12/2016
تابعت النقاش الذي دار بعد اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري من طرف جهاز الاستخبارات الصهيوني "الموساد"، يوم الخميس 15 ديسمبر، عقاباً له على دعمه المبهر للمقاومة الفلسطينية، وانخراطه بفعالية في مشروعها وتبني أهدافها العادلة.
 

ذلك الاغتيال الذي حدث في مسقط رأسه ومهد الربيع العربي -تونس- أسال الكثير من الحبر، وأعاد للمشهد التونسي قضية تجريم التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، وأظهر كما من الأسى على ضعف الأمن القومي التونسي، فعملية الاغتيال كانت اختراقا واضحاً للمنظومة الأمنية التونسية، حيث ظهرت هشة أمام المخابرات الصهيونية، بالإضافة لنقاشات أخرى، مثل الاحتفاء بهذا الشهيد التونسي، البطل الذي ظهر دوره الأسطوري بعد مغادرته لعالمنا المتوحش.

فلسطين ظلت طوال عقود ولا تزال فزاعة يشرع بها الطغاة ظلمهم لشعوبهم بحجة الصراع مع الكيان الصهيوني وممانعته.

كان ذلك حديث التونسيين والعرب كانت لهم نقاشاتهم أيضا؛ فقضية فرضت نفسها على مساحات النقاش في العالم العربي، وبالطبع لفتتني أمور في حكاية المناضل التونسي المغدور محمد الزواري، سأتحدث عنها الآن..
 

بالنسبة لي، قدمت قصة الزواري في أجمل صورة، فكرة نكران الذات والعمل في صمت من أجل القضية التي يؤمن بها، لم يكن طالب مناصب ولا مصاباً بداء إرضاء الغرور الشخصي، والتمظهر بدور المناضل المنافح عن حق الشعوب في الحرية والكرامة، وهكذا أرى المناضل الصادق الذي تحتاجه القضايا العادلة بإلحاح، المناضل الذي يبدل الجهد من دون انتظار الزخم الاحتفائي الشعبي به.
 

فالزواري لم يصدر بيان انضمام لمشروع المقاومة ولم يقم المؤتمرات الصحفية والندوات ولا صدع رؤوس الناس بصولاته وجولاته في نصرة فلسطين وشعبها المظلوم، بل اختار العمل بجد وشغف وأن يكون جزءاً من مطبخ النضال الفعال، بدل مقاعد التباهي العلوية البالية، عكس الكثير من يتصدرون المشهد العربي الراهن، حيث حول الكثير منهم قضية فلسطين لرأس مال سياسي يستغلونها صنوف الاستغلال المبتذل، دون العمل بجد لأجلها، وفي حالات أخرى يحولونها إلى أرصدة في البنوك، ومصدرا للثراء، ولبضاعة وأسهم للتداول في البرص، وذلك أمر كارثي على أي قضية عادلة، حيث يدخلها لمنزلقات شديدة البؤس.
 

الزواري، أظهر أن قضية فلسطين وشعبها لا تزال قضية شعبية في العالم العربي رغم الانشغالات الداخلية في هذه الدول التي تخوض فيها الشعوب معارك استقلال عن أنظمة الطغيان والعصابات الاجرامية التي تتحكم في مصائر دولهم المأزومة، ويدفعون ثمن ذلك كل لحظة، إلا أن واقعهم لا ينسيهم أن هناك بلدا محتلا اسمه فلسطين، يحتاج يد العون منهم.
 

تلك الأنظمة التي طالما استغلت قضية فلسطين وحولتها لمشروع قمعي لشعوبها، ففلسطين ظلت طوال عقود ولا تزال فزاعة يشرع بها الطغاة ظلمهم لشعوبهم بحجة الصراع مع الكيان الصهيوني وممانعته، رغم أن مشروع هذا الكيان مستمر ويستفحل ظلمه يوما بعد يوم وهذه الأنظمة لا ضرر لها على هذا الكيان الاستعماري، بل تساعده أحيانا كثيرة، ولا هم لها سوى زيادة احتقار شعبوها.
 

نموذج محمد الزواري وعلمه وعمله وجهده الذي سخر في صمت نبيل لقضية يؤمن بشرعيتها، هو ما نحتاجه اليوم في صراعنا من أجل الكرامة الانسانية.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة