آلاء حمدان
آلاء حمدان
7.3 k

عامي الجديد ما بين السِّر والواقع

3/12/2016
أتذكّر أوّل مرّة شاهدتُ فيها الفيلم الوثائقيّ بعنوان "السّر".شاهدته مع عائلتي وكنت حينها على أعتاب بداية حياتي الجامعيّة متعطّشة لكلّ جديد. من بين مجموعة من الأفلام الوثائقية التي كنت أشاهدها بلهفة، علق هذا الفيلم بكلّ مشاهده وحواراته ومقابلات أبطاله في ذاكرتي.

سحرني موضوع الفيلم، وذهبت لمكتبة عامّة قريبة وبحثت عن اقتباسات محفّزة منه وكتبتها على قصاصة ورقيّة. رافقتني تلك القصاصة ٥ أعوام في محفظتي قبل أن يتآكل حبرها. كنت أقرأها كلّ يوم، أحياناً كنت أشعر أنّها تافهة، فأعود وأذكّر نفسي بحماسي في تلك اللّحظة التي كتبت الاقتباسات فيها، كيف كان اتّقادي واندفاعي ورغبتي في أن أعيش "السّر".

يعتمد قانون الجذب على شدّة رغبة الإنسان بشيء معيّن، وما يقوم به خلال حياته والذي قد يصل كنتيجة إلى مراده ويتحقّق حلمه.
الفيلم مأخوذ عن كتاب يحمل نفس العنوان، وقد بيعت منه 22 مليون نسخة كما تُرجم إلى أكثر من 45 لغة . يتم مقابلة عدّة صنّاع قرار وناجحين على الصّعيد المهنيّ أو الشّخصيّ عن سرّ ذلك النّجاح، فيكشفون من خلال المقابلات وقصص طفولتهم ومشاهد ديكودراميّة أنّ السّر كان في "قانون الجذب".
 

يعتمد قانون الجذب على شدّة رغبة الإنسان بشيء معيّن، وما يقوم به خلال حياته والذي قد يصل كنتيجة إلى مراده ويتحقّق حلمه. فيظهر لك الفيلم رجلاً وضع مبلغاً ماليّاً ضخماً كان يتمنّى الحصول عليه يوماً ما، ألصف ذلك الرّقم على السّقف فوق سريره وكلّ يوم قبل ذهابه للعمل يذكّر نفسه إلى أين يريد الوصول، ووصل. وهناك من ألصق صورة لمنزل أحلامه، وبعد مرور أعوام وعندما أمسك تلك القصاصة، لاحظ أنّه يسكن في ذات المنزل تقريباً.
 

شخصيّاً إيماني بقانون الجذب يتلخّص بالهالة الايجابيّة أو السّلبيّة التي أحيط بها نفسي. هناك عدّة تجارب مثبتة علميّاً على تضرّر نبتة مثلاً في حال تم توجيه كلمات سلبيّة لها، بينما تبقى النّبتة التي يوجّه لها كلاماً إيجابيّاً منتعشة. فما بالكم بالإنسان؟
 

نحن على أعتاب عام جديد، تتخبّط هنا عقولنا بين ما نحن عليه الآن وما نريد أن نكون. تعود بنا ذكرياتنا إلى أعوام مضت كتبنا فيها أموراً ونسيناها أو واجهتنا عقبات فلم تتحقّق أمانينا وفقدنا أمل المحاولة، ورأينا أن نمشي "على السّبحانيّة" في حياتنا و"اللي يصير يصير". ولكن هل فعلًا كانت العقبات تلك هي سبب فشل خططك؟ أم ضعف محاولاتك هي السّبب الحقيقيّ؟ وكتابتك خططاً لا تمت للواقع بصلة منطقيّة؟ كأن تتمنّى نشر روايتك الأولى بالاسبانيّة وأنت تدرك أنّ عاماً واحداً لاتقان لغة ١٠٠٪ أمراً غير معقول. أو كأن تكتب "حصولي على منحة من جامعة كذا" وأنت تعلم أنّ علاماتك تحتاج لعامين أو ثلاثة أعوام من الاجتهاد لتقبل الجامعة حينها النّظر في ملفّك.
 

إنّ قدرتنا على تقدير قدراتنا من أهم قواعد تحديد الأهداف. ما الذي حقّقته العام الماضي؟ ولو عاد بك الزّمن هل كان هناك متّسع للمزيد من الأهداف؟ ما الأخطاء التي لن تكرّرها؟ أين أضعت وقتك وجهدك؟ مع من؟ من ستخرج من حياتك والذي كان عقبة أمامك؟ مِمّن ستقترب أكثر لأنّه أمدّك بطاقة كنت تحتاجها؟ ما هي العادة السّيئة التي منعتك من تحقيق بعض ما كتبت؟  هذه الأمور تحتاج لجلسة تحقيقٍ مع الذّات، تُفتح فيها الدّفاتر القديمة وتنقّح خلالها الصّفحات الجديدة.
 

ها أنا أكتب خطّتي للعام القادم، وقد قسوت على نفسي بها عندما درست فجوات كنت أستطيع تحقيق المزيد فيها العام الماضي، على الصّعيد الشّخصيّ والمهنيّ. أكتبها لأعمل على تحقيقها ضمن ما أعلم، أمّا علم الغيب فليس له مكان في خطّتي "اعقل وتوكّل".

لا يوجد إنسان حياته كاملة وخالية من العقبات. ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي هو بريق الإيجابية من حياتهم، فهم ينشرون السّعادة لأنّهم يدركون أنّ التّعاسة لا تستحقّ منهم جهداً لتوثيقها، وليس لأنّ حياتهم كاملة. الحياة كوصفة، يضع كلّ شخص مقاديره حسب رغباته، فيحصل على نتيجة ترضيه.
 

لا تغدق بداية عامك بالأهداف، حتّى لا تغرق بها وتتوقّف عن تطبيق الباقي بقيّة العام.

عندما تكتب:

اكتب أهدافك حتّى تذكّر بها نفسك كلّ يوم. اكتب أهدافك لأنّك وحدك ستكبر، ووحدك ستندم أنك كبرت وما زالت أحلامك طفلة على قصاصة قديمة.

اكتب أهدافك حتّي تشحذ همّتك، وتلحق بالرّكب عندما تشعر بالإحباط. اكتب أهدافك حتّى عندما تأتي نهاية العام تدرك أكثر ما هي قدراتك وتدرك أكثر من أنت، وتصبح خططك عاماً بعد عام أفضل وأدق.

اكتب أهدافاً تدريجيّة، حتّى لا تنفر منها. اكتبها كخطوات منطقيّة حتى لا تخذل نفسك. فمثلاً يُنصح من يأكل وجبات دسمة يوميّاِ بالتّقليل منها رويداً رويداً ومن ثمّ التّوقّف عنها، وذلك لضمان الاستمراريّة. حتّى في الإسلام لتحقيق التّوازن والاستمراريّة قال تعالى في الكحول والصّلاة "لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ".

أكتب أهدافك برويّة وأنت مدرك أنّ الخطوة الثّانية ستكون للعام القادم. ستمرّ الأعوام بلمح البصر. لا تغدق بداية عامك بالأهداف، حتّى لا تغرق بها وتتوقّف عن تطبيق الباقي بقيّة العام.
 

كتابة الأهداف وتسليط التّفكير عليها هو "السّر" الذي تحدّث عنه كلّ روّاد الأعمال والنّاجحون في فيلم "The Secret".

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة