الضربة التي جعلتنا أقوى

30/12/2016

كانت مقولة "الضربة التي لا تميتنا تزيدنا قوة" مقولة عابرة بالنسبة لي حتى عايشت ضربة العدوان الصهيوني على غزة أواخر عام 2008 حين ظننا يومها أنه اليوم الأخير لصمود هذه المدينة ولمقاومتها بعد حصار سنواتٍ عجاف أرهقت وأنهكت كاهل سكان المدينة.

 

وقد كاد أن يكون صباح ذلك اليوم عاديًا لولا عشرات الطائرات الغاشمة التي هاجمت قطاع غزة في لحظة واحدة لتحصد أرواح المئات في دقائق، في أقوى وأعنف ضربة جوية شهدتها فلسطين، وقد كانت الضربة غادرةً إلى أبعد حد فقد نفذها الاحتلال في يوم السبت وهو يوم عيد اليهود وراحتهم وبعد أن طلب مهلة لدراسة موقفه من التهدئة، وقد كانت في ساعة الذروة في القطاع ليضمن الصهاينة أكبر عدد من الشهداء داخل المقرات الشرطية والمؤسسات الحكومية.

 

هذه الضربة كانت قاسية لأبعد حد وكانت كذلك مفيدة بالقدر ذاته وأكثر، حيث لم يكن يومها مستغربًا أن ترى الدهشة على وجوه الناس العاديين لكن ما استغربته يومها مشهد الصدمة على وجوه المقاومين وقادة مجموعات المقاومة الذين رأيتهم في جنازات الشهداء أو قرب جثثهم في المشفى ذلك اليوم، وكأنهم في حالة ذهول وعدم تحسبٍ لما جرى في حين أنهم لم يكونوا مستعدين للمواجهة ولا متحسبين لها.

 

لا نتوقع كفلسطينيين شيئًا كثيرًا من أحد غير الله وأنه ما حك جلدك مثل ظفرك فهذا العالم سيخذلك غالبًا فلا تخذل نفسك

فلم يكن يومها لديهم أنفاق دفاعية ولا هجومية سوى أشياء متواضعة جدًا وبدون أدوات مثل الأنفاق في بيئة قطاع غزة الساحلية والمكشوفة أمام الأعين والطائرات تصعب المناورة وعمليات المقاومة لذلك كثفت المقاومة بشكلٍ كبير بعد تعافيها من الحرب عملها في مجال الأنفاق حتى وصلنا خلال عام 2014 إلى الأنفاق التي اقتحمت قلب مستوطنات الاحتلال ونفذت من خلالها المقاومة عمليات من النقطة صفر.

 

كما أن المقاومين يومها لم يكن بجعبتهم من الإمكانات والعتاد سوى البنادق والرصاص وقنابل يدوية مع قذائف هاون وصواريخ بدائية الصنع ذات مدى قصير وبكميات محدودة وتأثيرها ضعيف نسبيًا ولم تكن تمتلك المقاومة مضادات الدروع ولا مضادات الطيران الفعالة سوى شيء يسير للغاية وبذلك ميزان القوى منحرفٌ بشكل كبير لصالح الاحتلال حتى أن بعض المقاومين تصدوا للدبابات بالبنادق، وهنا كان أمام المقاومة أن تعيد حساباتها وبناء ترسانتها العسكرية ذاتيًا حتى وصلت اليوم إلى صواريخ يمكنها أن تصل إلى أي نقطة في فلسطين وبرؤوس تدميرية أكبر بكثير.

 

وفِي الجانب الميداني استفادت المقاومة من التجربة حين لاحظت الربكة في صفوف مقاوميها من الصدمة أو حين يباغتهم العدو وهم في النقاط المتقدمة ويستفرد بهم، في ظل اعتيادهم العمل كمجموعات، فقد أقامت بعدها المقاومة دورات المقاوم المتكامل الذي يستطيع أن يتصرف لوحده مهما كانت الظروف وكذلك قامت بتطوير منظومة التصدي للمدرعات عبر وحدات مختارة وأدوات جديدة لا تعتمد فقط على تفخيخ بعض الطرقات ذلك أن الاحتلال في تلك الأيام شق لنفسه طرقًا جديدة من فوق المنازل هربًا من الألغام المحتملة.

 

ومن الدروس المستفادة أيضًا إيجاد خطط الإخلاء السريع للمقرات الأمنية والحكومية عند وجود تخوف من تصعيد وخطط الانتشار والاستنفار الفوري للمقاومة والأمن وكذلك عدم تكديس العتاد في أماكن محددة وجعله قريب من متناول المقاومين مع شبكات اتصال داخلية وآمنة، وغيرها من الدروس المستفادة التي جعلت المقاومة والجبهة الداخلية أكثر قوة ومتانة والتي كان أبرزها أن نكون دومًا على استعداد ويقظةً كاملة وأن لا نتوقع كفلسطينيين شيئًا كثيرًا من أحد غير الله وأنه ما حك جلدك مثل ظفرك فهذا العالم سيخذلك غالبًا فلا تخذل نفسك، وهذه الضربة قد تكون زرعت فينا حزنًا كبيرًا بتنا لا نشعر فيه لكن ما هو من ذلك أنها لم تستطع أن تزرع فينا اليأس.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة