الكلاسيكو الإسباني بعيون أقرب الجيران العرب

6/12/2016
هنا طنجة، عروسة شمال المغرب، المطلة على البحر الأبيض المتوسط وعلى المحيط الأطلسي، هي المدينة التي لا يفصلها عن إسبانيا سوى 14 كيلومتر بحرا في اتجاه الشمال.

هنا المدينة القديمة، هنا سور "المعكازين" التاريخي، تستطيع من خلال تواجدك أمامه أن ترى الساحل الجنوبي لاسبانيا في صورة واضحة خلال يوم صافٍ، وحركة خفيفة لبواخر المسافرين، واحدة تدخل الميناء وأخرى تغادره.

تتسارع حركة المارة شيئا فشيئا، غالبيتها في اتجاه المقهى، حيث تحلوا المتابعة في مكان يجمع النقيضين. نعم، لقد اقترب الموعد، إنه موعد "كلاسيكو الأرض" بين قطبي كرة القدم الإسبانية ريال مدريد وبرشلونة.

هنا لا مجال للحديث إلا بلغة المتكلم، "نحن نملك أقوى هجوم"، "نحن نملك أفضل لاعب في العالم"، "لدينا لاعب يستطيع أن يقلب النتيجة في أي لحظة"
يحظى الدوري الإسباني بمتابعة كبيرة جدا من قبل أهالي مدن شمال المغرب، كيف لا وهي المنطقة التي شهدت الاحتلال الاسباني خلال القرن الماضي، متابعة لن تجد لها مثيلا بباقي مناطق البلاد.

تطأ قدمي إحدى المقاهي القريبة من سور "المعجازين" لأشاهد المباراة التي يبلغ عدد متابعيها عبر العالم بالملايين.

أول ما عليّ فعله عند دخول المقهى، هو أن أحدد المكان الذي سأجلس فيه، فغالبية المقاهي تكون مقسمة إلى شطرين في هذا اليوم، شطر يضم مشجعي ريال مدريد وشطر يضم مشجعي برشلونة، في تقسيم عفوي اعتادت عليه معظم المقاهي.

أجواء المقهى لا تختلف كثيرا عن الأجواء الموجودة بالملعب، حيث يحضر الحماس والتشجيع بين الفينة والأخرى.

تنطلق صافرة المباراة لتنطلق معها أعصاب وأحاسيس المتابعين، الكل يشاهد وهو على أعصابه، يصرخ حينما يضيع اللاعبون فرصة هدف، ويقدم توجيهاته لهم وكأنه زين الدين زيدان أو لويس أنريكي!

خلال المتابعة لا تخلو الأجواء من التنافسية والحدة بين مشجعي الفريقين، فهذا يحاول التنقيص من قيمة لاعبي الخصم، لينفجر في وجهه الآخر مدافعا باستماتة عن لاعب فريقه المفضل بكل ما أوتي من قدرات للتحليل والكلام.

هنا لا مجال للحديث إلا بلغة المتكلم، "نحن نملك أقوى هجوم"، "نحن نملك أفضل لاعب في العالم"، "لدينا لاعب يستطيع أن يقلب النتيجة في أي لحظة"... وسر على ذلك من الأوصاف.

ينتهي الشوط الأول، لتتحول المقهى إلى أكبر أستوديو تحليلي في العالم، أستوديو لا يضم محللين أو ثلاثة أو أربعة كما تجري العادة بمختلف القنوات العالمية، وإنما يضم العشرات من المحللين، كل يدلي بدلوه في كيف مر الشوط الأول، مع تقديم وعيد لمشجعي الخصم بالانتصار عليهم.

مع الدقائق الأولى لبداية الشوط الثاني، يسجل نادي برشلونة هدفا أول عبر لاعبه لويس سواريز، تهتز المقهى بصراخ وهتاف مشجعي النادي الكتالوني، مع صمت رهيب في صفوف عشاق النادي الملكي، باستثناء عبارات قذف وشتم تخرج من أفواه بعض "المحللين" صوب خط الدفاع أو الحارس، محملين إياهم مسؤولية الهدف.

التعادل.. نتيجة قد لا تخدم مصالح الفريقين، لكنها تخدم بشكل كبير شعوبنا العربية، كيف لا وفيها من يمرض ويلزم الفراش لأيام إذا خسر الفريق الذي يعشقه.
النشوة بادية على وجوه عشاق برشلونة، مع طمأنينة لإضافة هدف ثاني يقلص الفارق بين المتصدر ومطارده، بينما في الجهة المقابلة توتر وصمت يسود المكان، لا يكسره سوى ضربات اليدين على الرأس أو على الركبتين مع كل محاولة ضائعة.

مع اقتراب نهاية "كلاسيكو الأرض"، عشاق برشلونة في فرحة كبيرة يفسدون بها أجواء "المدريديين"، لكن ما هي إلا لحظات حتى اهتزت المقهى من الجهة الأخرى، بهدف سجله سيرخيو راموس في الدقيقة الأخيرة من المباراة، أعاد به جريان الدم في وجوه مشجعيه بعدما كان أصفرا قاحلا، بيد أنه نزل في الضفة الأخرى كقطعة ثلج على رؤوس مشجعي برشلونة.

انتهى إذن الكلاسيكو بلا غالب ولا مغلوب، وهي نتيجة قد لا تخدم مصالح الفريقين، لكنها تخدم بشكل كبير شعوبنا العربية، كيف لا وفيها من يمرض ويلزم الفراش لأيام إذا خسر الفريق الذي يعشقه، كيف لا وفيها من يتوارى عن الأنظار لمدة هربا من مضايقات أصدقائه الذين يشجعون عكس ما يشجع هو، كيف لا وفيها من يقيم احتفالات كبيرة بفوز ناديه المفضل.

أخرج من المقهى وأنا لا أنتمي إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وكأني غريب في عالم لا أعرف فيه شيئا..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة