عبيدة عامر
عبيدة عامر
606

"داعش".. أو "شعبوية" الشرق الأوسط

7/12/2016

في ختام تقريره المطول عن عبد الهادي العراقي، مبعوث زعيم تنظيم القاعدة أبو أيمن الظواهري إلى زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبي مصعب الزرقاوي؛ اعتبر الباحث الأمريكي بريان فيشمان أن فشل مهمة المبعوث، وفشل احتواء تنظيم القاعدة في العراق، والتي انفجرت لاحقا، بعد فشل مهمته بسبعة أعوام، إلى صراع مفتوح عسكري وشرعي على الفضاء الجهادي، وتمثيل الهوية السنية، بين تنظيم القاعدة الأم، وتنظيم القاعدة الفرع - الذي تحول إلى الدولة الإسلامية - يرجع إلى أن داعش في جوهرها: حركة شعبوية.

 

ضمن الصراع الطويل بين كل من تنظيم القاعدة السوري، والتي كانت جبهة النصرة، ثم أصبحت جبهة فتح الشام - وفكت الارتباط -، وبين تنظيم القاعدة العراقي، والذي أصبح لاحقا الدولة الإسلامية في العراق، ثم الدولة الإسلامية - وهاجمت القاعدة -، أو ما يسمى بـ "داعش"، حضر صراع التسمية والرمزية والمعجم الدلالي، فكان أبرز ما وصف به الدواعش من قبل جبهة النصرة، بشكل رئيسي، وبشكل أقل في الفصائل الأخرى في طيف الفضاء الجهادي السني والعسكري السوري، هو وصف "الخوارج"، إسقاطا على "الخوارج" تاريخيا، الذين خرجوا على عثمان، ومن ثم على علي رضي الله عنهما، وهو وصف شرعي وسياسي، يشرّع قتالهم وقتلهم دينيا، انطلاقا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى لمن قتلهم وقتلوه"، وينزع عنهم شرعيتهم السياسية، لكونهم "خارجين" لا أصيلين في السياسة.

 

إلا أن أبرز ما استحضر هذه التسمية التاريخية، ليس مجرد الأفعال السياسية والشرعية في داعش، ولكنه التطابق الوصفي، الذي يبدو أحيانا ملحميا -وهو ما تحتاجه الفصائل والجماعات في تكثيف رمزيتها وحضورها-، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الخوارج: "يقرؤون القرآن، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم أقتلنهم قتل عاد"، وفي رواية أخرى "يحرق أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة"، أي العلاقة الظاهرية والخارجية مع الدين، بعيدا عن العمق والجوهر والتمحيص.

 

ومن اللافت للنظر اجتماع انتقاد كل من الباحث الأمريكي الدارس لداعش بأدواته الاستشراقية، مع محل انتقاد القاعدة، فصيل السلفية الجهادية المعتمد على فكرة "النخبة" مقابل الأمة، لداعش؛ بكون التنظيم خارجا، وخارجيا كذلك، أي معتمدا على الدعاية لا على المضمون، وعلى الحشد لا على المشروع، وهو توصيف يتطابق مع أكثر من خطاب داعش.

 

داعش ليست شعبوية الخطاب، بل شعبوية التكوين والبناء، فهي حركة يمكن أن تعيد بناء نفسها بأسرع وقت ممكن، لا لكثرة النخب، ولكن لـ "بساطة" المضمون

ومثلما كان خطاب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب موجها إلى "عمق" المجتمع الأمريكي، الفلاحين البيض، بلغة شعبوية، ضمن السياق السياسي والثقافي الحالي ذي الدولة الحديثة والأنظمة السياسية المتماسكة والمنظومة الديمقراطية الليبرالية؛ يحضر خطاب داعش إلى "عمق" الكتلة البشرية المكونة للإقليم: العرب السنة، وفي سياقهم الخاص، ضمن الدول الفاشلة أو المستبدة أو الطائفية، والمنظومة الإسلامية الشرعية؛ مستحضرة نفسها كممثل لهم ضمن صراعهم السياسي الوجودي، مع الفاعلين الآخرين، سواء كدول أو كفاعلين دون الدول، الذي يحمل صبغة طائفية وعرقية، بأقصى درجات التدافع والنزاع، مثل فتح روما في "صراع الحضارات" مع "الصليبيين"، أو القتال مع "الشيعة الرافضة" و"الأكراد الملاحدة" و"الصحوات المرتدين"، ولعل هذا ما يفسر الإقبال الشديد والجمهورية العالية لداعش، وهو تبسيط الأزمة وتسطيحها، وأخذها إلى أقصاها بخطاب عدمي، والتحدث بلغة هوياتية شعبوية، وقالب صوري دعائي جذاب.

 

وإن اقتصر -حتى الآن على الأقل- الأداء السياسي الكلي لترمب في شعبويته على الخطاب، دون أن تتضح بقية المعالم، بسبب تحديده واختصاره في المؤسسة، إلا أن داعش ليست شعبوية الخطاب كذلك، بل شعبوية التكوين والبناء، فهي حركة يمكن أن تعيد بناء نفسها بأسرع وقت ممكن، لا لكثرة النخب، ولكن لـ "بساطة" المضمون، ففي المعالجة الشرعية على سبيل المثال، لا تحضر الفكرة الأصولية أو المقاصدية الفقهية أو السياسة الشرعية ضمن الاجتهاد، ولكنها تأويلات ظاهرية وبسيطة للنصوص الدينية تستبعد فكرة العلمائية والنخبوية الشرعية التي كانت حاضرة في التاريخ الشرعي والسياسي الإسلامي، كما تختصر الاستراتيجية السياسية بالمواجهة والعدمية، بعيدا عن أي خطاب آخر.

 

وللمفارقة، فإن شعبوية داعش في الشرق الأوسط، ليست حالة نقيضة أو استثنائية في المنطقة، لكنها عرض لمرض أكبر هو فشل الدول بنيويا، كما في سوريا والعراق وليبيا، وفعالية الفاعلين العرقيين والطائفيين غير الحكوميين دون الدولة، أو فشلها سياسيا، بتحولها إلى كيانات طائفية أو استبدادية، بما يغذي خطاب داعش وبنيتها وتكوينها، كما أن صعود الشعبوية العالمي الذي تغذى على ظهور داعش؛ غذاها وعزز وجودها وشرعيتها ومنح البقاء لفكرتها، وفكرته، وجعلنا غارقين في فترة تاريخية تتجاوز بنيتها فكرة "السيولة" التي ارتبطت بالحداثة وما بعدها، إلى غياب معنى للأفكار، وانتهاء شرعية الأخلاق، وتجاوز حضور النخب والنخبوية. إنه باختصار زمن ترمب وداعش وبوتين، إنه زمن "التفاهة".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة