الكراهية في الحوار العربي.. الأسباب والحلول

9/12/2016

حدة غير مسبوقة في الطرح شهدها الحوار العربي بعد الربيع العربي، تعصب أعمى للفكرة والرأي، اتهامات للآخر بالعمالة والخيانة، لا مكان للحجة والمنطق في حوار أصبحت الشتائم هي عنوانه ومتنه.

طبعا لا أتحدث هنا فقط عن حوارات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وإلا لاعتبرنا مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب أو اعتبرنا الظاهرة موجودة أصلا، كل ما في الأمر أن منصات التواصل الاجتماعي أظهرتها للعلن. ولكن الظاهرة موجودة أيضاً عند بعض ممن يصنفون من النخبة الإعلامية حيث شهدنا في السنوات القليلة الماضية ألفاظ وعبارات دخلت لأول مرة في قواميس البرامج الحوارية.


الثورات المضادة من أهم أسباب هذه الحالة؟ بلا شك حدة الحوار وصلت لمستويات غير معهودة بعد الربيع العربي، طبعا حتى لا يحدث خلط أنا هنا لا أتحدث عن الحرية في الكلمة والرأي، وانما عن كمية الكراهية والحقد الموجودة في هذه الحوارات. مع بداية الثورات المضادة في دول الربيع العربي بدأنا نلمس هذه الظاهرة سواءً بين عامة الشعوب على حلبات التواصل الاجتماعي أو بين المثقفين والإعلاميين -وأحيانا المسؤولين الحكوميين- على القنوات الفضائية وبطبيعة الحال غذت الثانية الأولى! وأحدثت بالفعل شرخا وانقسامات في مجتمعات هذه الدول.
 

بعض الإعلاميين أو المؤثرين في الإعلام الاجتماعي يمررون أفكارهم إلى متابعيهم مع شيء من الحدة، لكن هذا الأسلوب أثر بشكل سلبي على شكل الحوار بين المتابعين أنفسهم.

مع أول قطرة دم أصبح الحوار دموي! ماذا عسانا أن نتوقع أن يكون شكل الحوار وقد اختلط بالدم؟ بعد أن أضحت المجازر خبراً ثابتاً في أغلب نشرات الأخبار، أصبحنا نسمع كثيراً شعار "لا حوار مع القتلة" وسرعان ما ألقت هذه الأحداث بظلالها على شكل الحوار العربي ليس فقط في الدول المعنية بهذه الأحداث، وإنما في كل الدول العربية.


ولكن مهلاً الإعلام يتحمل المسؤولية أيضا. بعض برامج "التوك شو" أو برامج الكلام كما يسمونها، تجاوزت كل الحدود في التحريض على الكراهية والحقد ضاربة بعرض الحائط كل المعايير المهنية وأخلاقيات الصحافة. ولأنها برامج كلام وتكرر نفس الطرح بشكل لا يطاق فقد أثرت في المتابعين وكما يقول وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز "اكذب حتى يصدقك الناس" لذا خلقت هذه البرامج جمهوراً متعصباً لفكرته ورأيه لا يقبل حتى مجرد التفكير في أي طرح آخر.


الإعلام الاجتماعي أيضا، بلا شك وسائل التواصل الاجتماعي رغم فوائدها التي لا تعد ولا تحصى أثرت بشكل كبير في تفشي هذه الظاهرة لثلاثة أسباب: الأول أنها كانت المسرح لحوارات الشعوب، والثاني أنها استخدمت من قبل مثيري الكراهية والحقد لتمرير أفكارهم إلى الجماهير وتوجيههم وبنفس مبدأ غوبلز، والثالث أنها أتاحت للجماهير الاطلاع على أراء وأفكار مشوهة وشاذة ومتطرفة كانت محظورة في عصر ما قبل التواصل الاجتماعي!


هل الحدة في الطرح أفضل في الإقناع؟ من الأسباب أيضاً أن بعض الإعلاميين أو المؤثرين في الإعلام الاجتماعي يمررون أفكارهم إلى متابعيهم مع شيء من الحدة ربما لقناعة لديهم أن هذا الأسلوب من فنون الإقناع! لكن ما يهمنا هنا أن هذا الأسلوب أثر بشكل سلبي على شكل الحوار بين المتابعين أنفسهم.


ما الحل إذن؟ الحل في الإعلام. يقول الإعلامي يسري فودة في إحدى حلقات برنامجه العظيم "سري للغاية": "حينما يتحول الأبيض إلى رمادي، ويتحول الرمادي إلى أسود، ويتحول الأسود إلى عدوان، فتش عن الإعلام، وحينما يتحول الحق إلى شك، ويتحول الشك إلى زور، ويتحول الزور إلى بهتان، فتش عن الإعلام".

حينما يتبوأ الإعلام مكانه الطبيعي كسلطة رابعة وليس كمجرد أداة من أدوات الساسة يحاربون فيها خصومهم حينها يمكن للإعلام أن يزيل هذه التشوه وأي تشوهات فكرية أخرى تصيب المجتمع.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة